المصطادون في دماء غزة
يضيع الحق في حمأة النار والدم والدمار.
لا احد يتذكر اساس الحرب وجذرها، والكلام يدور على نتائجها. حتى اصحاب القضية انفسهم، وهم ضحاياها، تسقط لغتهم في تفاصيل الوقائع والخلاصات: تصير "الدواعي الانسانية" هي العنوان لكل تحرك يهدف الى وقف الانقلاب على التهدئة. لا يعود السؤال اين حقوق الشعوب في اراضيها ودولها. تختصر القضية الى الحد الادنى من الانسانية وهو تجنب الموت.
من غزة نفسها، بصوت اهلها، عبر التلفزة الفضائية، الى العالم اجمع، وعلى رأسه الامم المتحدة ومجلس امنها، يبدو المطلوب واحداً: تخفيف ألم الضحية، لا منع جعلها ضحية. فالجميع، اصحاب الحناجر العالية، كما اصحاب الاصوات الخفيضة، غرقوا في دم غزة، فصار هذا الدم هو القضية واغرق القضية الاصل فيه.
كل التفاصيل كانت تنتظر لحظة التقاطع:
– ترقبت "حماس" انتهاء التهدئة لتطلق 50 صاروخاً على مستوطنات الاحتلال من دون ان تنتظر رداً بقساوة ما حدث، آملة ان تحرج رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وتزعزع هذه السلطة التي طردتها من القطاع وانكرت دورها الى حد دوس صور مؤسس المقاومة الفلسطينية التاريخي ياسر عرفات واحراقها.
– المتنافسون الاسرائيليون على خلافة ايهود اولمرت يتوثبون لوراثته: بنيامين نتنياهو يتهمه بالضعف والخذلان في غزة بعد لبنان، ليعبر على جثته السياسية. تسيبي ليفني زميلته في "كاديما" والمرشحة لخلافته في الحكومة بعدما ورثته في الحزب، وحليفها ايهود باراك، لا يريان اي فرصة لوراثته ان لم يمحُوَا الضعف الذي اكسبته لاسرائيل حرب تموز 2006، وذلك لا يكون الا بالإقدام على حرب جديدة ضد القطاع ترفع اسهم حزبهما السياسية.
– على المستوى الاقليمي – الدولي، تبنى مجلس الامن، قبل بضعة اسابيع، وبمشاركة عرب الاعتدال، القرار 1850 الذي شكل حجر الرحى فيه مبادرتهم لتسوية شاملة وعادلة، والتي كان اطلقها الملك عبدالله بن عبد العزيز عام 2002 في قمة بيروت.
– في المقابل، تريد ايران ان تؤكد انها تملك، عبر ادواتها (النظام السوري و"حماس" و"حزب الله") القدرة على تخريب المنطقة في كل لحظة، وقطع الطريق على اي تجاهل لمصالحها الاستراتيجية فيها.
الطرف العربي هو الوحيد الذي يريد الوصول الى تسوية عادلة وشاملة للقضية الفلسطينية، بينما يناسب الطرفين الاقليميين الآخرين، ويجعلهما في حلف واقعي، لا يضيره التراشق السياسي العالي النبرة، ان يستمر التوتر في المنطقة: فاسرائيل لا ترى اي خطر عربي جدي يهدد امنها واستقرارها، لا من الانظمة ولا من "حماس" او "حزب الله"، ولا سيما ان هذين التنظيمين يخدمانها بأدائهما دور المفتت في الاراضي الفلسطينية ولبنان والمنطقة العربية. اما ايران فإن كل سعيها الى تبوؤ قيادة العالمين العربي والاسلامي مبني على ادعاء التجهيز لتحرير القدس، تماماً كما كان حال العسكريين الانقلابيين في الدول العربية في الخمسينات والستينات من القرن الفائت. وفي الدرب الى ذلك، لا بد من زعزعة الاستقرار في مصر ذات الوزن الديموغرافي العربي والاسلامي السني، بدعوة ضباطها الى قيادة انقلاب على النمط العربي والعالمثالثي البائد، كما لا بد من حملة اتهامات مبطنة ضد المملكة العربية السعودية يحول دون اشهارها بوضوح ما ينطوي عليه ذلك من حساسيات مذهبية لم يستطيع التحايل الايراني، حتى الآن، تمويهها، ولن يستطيع، بدليل ما لقيه نداء الامين العام لـ"حزب الله" الى المصريين للانقلاب على النظام من استهجان والتفاف حوله.
– في خضم اللوحة الدموية الفلسطينية، تقدم تركيا العلمانية – السنية المعتدلة اوراق اعتمادها كمرشح سلمي للتوكل في شؤون المنطقة، فتشن هجمة مزدوجة: من جهة تحركات في الشارع تهتف لفلسطين، ومن جهة اخرى تحرك ديبلوماسي لايجاد حل. واذا كانت طهران ترى معبرها الى دور اقليمي هو في تخريب كل الحلول السلمية واستنفار الغرائز الشعبوية لدى العرب والمسلمين تحت عنوان تحرير القدس، فإن انقرة ترى في موقعها الاسلامي السني واوروبيتها وتجربة الاسلام السياسي فيها، اضافة الى وزنها الاطلسي والديموغرافي وعلاقاتها مع العرب واسرائيل ما يعطيها الحق في دور الحاضن لحلول الازمات المستعصية من الجولان الى الانقسام الفلسطيني.
السابحون في الدماء الفلسطينية في غزة يتسابقون على تحميل الآخر المسؤولية عن سفكه، وسينتظرون، على ما فعلوا بعد حرب تموز 2006 في لبنان، ايقاف الحرب لإعلان انتصارهم وتسخيف وزن الدماء والدمار الذي تكبده الفلسطينيون، ولاتهام الآخرين بالخيانة من محمود عباس الى قوى الاعتدال العربي التي تؤمن، بحكم موازين القوى، ان الحرب ليست هي الحل للقضية الفلسطينية، على الاقل في هذا الزمن.
المبادرة العربية، التي بني عليها القرار الاممي 1850، قد تكون اول تعبير في العمل السياسي العربي من اجل فلسطين عن مغزى القول اعقل وتوكل. فمنذ عام 1948، تاريخ اغتصاب فلسطين، والعرب يتوكلون من دون ان يعقلوا، وكلما ارادوا الحرب بوعد النصر تفاقمت الازمة الفلسطينية وزادت الخسائر في الارض والشعب.
اليوم وقد عقلوا وتوكلوا، يسعى طرفان، حليفان في المصالح، ايران واسرائيل، الى تفويت الفرصة عليهم، بينما يتحين ثالث اصطياد "صحن الحمص" من "المولد" الذي فوته منذ عام 1948.