#adsense

يا شباب شو الاخبار من زحلة؟… (بقلم فيرا بو منصف)

حجم الخط

ليست مدينة عادية. زحلة. أذكر  نيسان 1981. كنا في بيروت وكانت أخبار زحلة تحاصر خوف الناس على المدينة فوق وناسها. لم نكن نفهم في السياسة وأبعادها، ولا نعرف ماذا يجري فعلا هناك، كنا نعرف ان الذعر ينهش ابناء المنطقة الشرقية، بحسب تعابير زمن الحرب، وأعرف اني كنت والاهل ورفاق المدرسة، نذهب كل مساء الى كنيسة الشحروري القريبة، وكانت مرحلة الالام، لنصلي درب الصليب وكل ليلة يعلن كاهن الرعية، ان الصلاة تقدّم على نية مقاومة أهالي زحلة ونية الشباب فوق. أي شباب؟ تعرفون تماما، شباب البشير. وكانت الدعوات تتكرر في الكنائس لارسال المساعدات بأي طريقة، المال والادوية والاغذية للمدينة المحاصرة بنار الاحتلال السوري انذاك.

كان الوصول الى منطقة  البقاع أمراً صعباً جدا ان لم يكن مستحيلاً. زحلة مطوّقة بالجحيم من كل الجهات، الجيش السوري يدكها على مدار الساعة لاحكام سيطرته عليها، لانه كان يعلم انه بتطويع المدينة ستنكسر شوكة المقاومة المسيحية الوحيدة التي تتصدّى له، وبالتالي من زحلة سيتمكن من التحكّم بما تبقى من “جيوب” مقاومة في ذاك البقاع الفسيح.

في بيروت، كنا نصلّي لهم ولاجلهم، وهم يقاومون ويستشهدون. بشراسة يقاومون ويستشهدون. في قرى البقاع القريبة والبعيدة، كنا نصلي في سرّنا فقط، نخشى أن تُسمع دقات قلوبنا، ومن حولنا قوميون وبعثيون ومخبرون يتربصّون الخوف في العيون، لينقلوه خبراً دسماً لاسيادهم السوريين.

كل شيء كان ينذر بالشؤم وبالاسوأ، وحدهم أهل زحلة والمقاومون، غيّروا معادلة الذعر. كانت تصل الاخبار من هناك وهنالك، كانت الاشرفية وكأنها جمهورية منفصلة عن كل لبنان، بالنسبة الينا، كانت تلك بلادنا، كانت وكأنها بيت واحد فيه الكثير من الغرف وكلنا يسكن ذاك البيت. أذكر الشباب الذين كانوا يتجوّلون ويستوقفهم الناس في الشارع “يا شباب شو الاخبار من زحلة؟”، ويجيب الشباب “الحمد لله ما عم يقدروا يفوتوا علينا وما رح نخليهم باذن يسوع”… وأهرع  الى أبي اخبره ما سمعت، فتدمع عيناه ” كتّر خيرك يا ربي انشالله يكون هيك عن جد”، يقول. لم أكن أدمع لاني لم أكن في عمر نضوج القضية، كل ما كنت أعرفه اني كنت خائفة على زحلة وكأنها مدينتي لوحدي، وقلبي كان يرتجف كلما سمعت خبرا طيبا عن مقاوميها، أو حتى كلما رأيت ورقة نعوة معلّقة الى حائط، تخبر عن شهيد جديد سقط على أبوابها، ليمنع السوري من اختراق هذه الابواب. حقيقة كانت وكأنها حكاية من أدب ملحمي بطولي، مع الفارق بانها كانت حكاية واقعية، حتى الان لم نعرف كل تفاصيل البطولات التي اجترحها اهلها والشباب. كنا نعرف ان النساء فوق تساعد الرجال، والرجال يساندون الشباب، وان الكل كتلة لهب بوجه لهيب المدافع السورية.

 لم تكن حكاية عادية، لم تكن خبرا عن دبابة وشهيد، لم تكن مواجهة بين مقاتل ومحتل، كانت حكاية مدينة فيها كل الوطن، في مواجهة وحش لا حضارة لديه، ولا قيم، ولا قضية، وحش من نار وحديد حسبه أن يلتهم حضارة الانسان في مدينة هي جزء من وطن، تمهيدا ليبتلع كل الوطن…

تسعون يوما، وذات صباح سمعنا قرع الاجراس في الاشرفية. لم يكن يوم أحد، سمعنا صراخاً وزغردة في الشارع، ركضنا الى الشرفات، الناس في الطريق، “هلي ع الريح” تصدح في مكبرات الصوت، أغاني “القوات اللبنانية” تجوب بين الناس، وأجراس وأجراس… انتهىت معركة زحلة، استسلم الجيش السوري، رضخ أخيرا، فكّ الحصار عن المدينة، عادت الشمس تخرقها من دون أن يكون مقابل كل شعاع شهيد… ربح الشباب معركة زحلة ودوى الانتصار وإن غادروها جسدياً فيما بقي ابناؤها… والانتصار الاكبر ولادة قرار مجلس الامن 520 جراء حرب زحلة، فحققت “القوات اللبنانية” أهم إنتصار ديبلوماسي يومها عبر مطالبة المجتمع الدولي من خلال القرار بإنسحاب كافة الجيوش الاجنبية من لبنان… ونجحت “القوات” بجعل القضية حاضرة بقوة في المحافل الدولية…

انظر الآن الى زحلة. يقولون انها أشرفية البقاع. لا لا، لا اوافق. هي زحلة البقاع والاشرفية أشرفية بيروت، لكل مدينة بطولة تشبهها، وان تشابهت بعض التفاصيل. لنا في كل بقعة أشرفية وزحلة. لنا القاع وقنات والجبل وجزين ومغدوشة… لنا الكثير من الدماء هناك وهنالك، تشبه زحلة وتتشبّه بها ان لم تكن عاشت بعضا من تفاصيلها. أنا أحسد زحلة وأحسد أهلها، وكنت أحب أن تعيش ضيعتي حكاية مماثلة، هي أنانية الامتلاء من البطولة، وأكثر من ذلك، هي أنانية الانتماء الى وطن مناضل، حقيقة مناضل مثل حكاية زحلة وأكثر بعد…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

3 responses to “يا شباب شو الاخبار من زحلة؟… (بقلم فيرا بو منصف)”

  1. تحية بطولة لأبناء زحلة المقاومين الشرفاء الأبطال وتحية إكبار و
    إجلال إلى شهداء زحلة

  2. مدينة المقاومة فالف تحية الى المدينة الصامدة دائما وابدا

خبر عاجل