#dfp #adsense

هل يتّقي “حزب الله”؟

حجم الخط

“وما الحرب إلا ما عرفتم وذقتمُ
وما هو عنها بالحديث المُرجّم
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة
وتضر إذا ضريتموها فتضرم”
(زهير بن أبي سلمى)
برج بابل

ليس الهدف من مقالي لا التحدي ولا اللوم ولا حتى الإتهام، فقد تجاوزنا جميعاً هذه المراحل مع الكثير من الإصابات الخطرة وبعضها كان مميتاً . ولن أستفيض اليوم في شرح الترابط العضوي المعقد والمتعدد المفاصل بين حزب المقاومة الإسلامية في لبنان وبين الحرس الثوري ومشروع ولاية الفقيه، فما هو اتهام من قبلي يعد مفخرة جاهر بها بكل اعتداد حسن نصر الله في أحد خطاباته عندما قال:”أنا أفتخر بأن أكون جندياً في جيش الولي الفقيه”.

مسألة الإرتباط بقوى ومشاريع خارجية كانت ولا تزال سمة ملازمة “للشعوب” المقيمة في لبنان على مدى القرن الماضي، وكثير منها ارتبط برؤى قومية وعقائدية ودينية حولتها إلى واجبات مقدسة لطرف ملتزم بها، في حين أن الطرف الآخر كان يصفها بالخيانة الوطنية والعمالة لقوى أجنبية.

فمن كان عضواً في مؤتمر الساحل الداعي إلى الوحدة العربية في النصف الأول من القرن الماضي كان وطنياً بالنسبة للعروبيين وخائناً بالنسبة للسياديين اللبنانيين، أما السياديون فكانوا عملاء فرنسا.

ومن عمل مخبراً للجمهورية العربية المتحدة في أيام عبد الناصر كان بطلاً قومياً، في حين أنه كان بكل المعطيات المنطقية جاسوساً لدولة أخرى، ومن استعان بالمارينز الذين نزلوا على شاطئ الرملة البيضاء لوقف الزحف الناصري الفوضوي سنة أصبح عميلاً للإستعمار بعد أن كان سابقاً فتى العروبة الأغر.
وهل كان اتهاماً للشيوعيين بأنهم أزلام موسكو في سعيهم العقائدي المحموم لتحقيق الأممية الشيوعية وهم لا يعترفون أصلاً بوجود حدود وطنية بين العمال في مختلف أنحاء العالم ولأسباب أخلاقية وإنسانية؟.

وهل كان يهم البعثيين، بأن يتهم بعضهم بالعمالة لحافظ الأسد وآخرون لصدام حسين، وكل منهما أب قائد لأمة مظفرة تحت راية الوحدة والحرية والإشتراكية؟
وحتى التعامل مع إسرائيل أثناء الحرب الأهلية كان له وجهات نظر متضاربة بين من أعتبره حاجة للدفاع عن الذات وجودياً وسياسياً، وبين من كان يعتبره خيانة عظمى في حين أن من يتهم الآخرين بالخيانة كان يتلقى أوامره من ياسر عرفات أو حافظ الأسد أو صدام حسين أو معمر القذافي أو ليونيد بريجنيف أو حتى الرفيق القائد ماو تسي تونغ، وحتى ضمن هؤلاء كانت تفرعات جانبية لأسماء ومنظمات لا حصر لها حولتنا إلى برج بابل في السياسة والأمن والإجتماع والإقتصاد!
التجربة الشيعية

ليس الهدف من كل ما سبق أن يستنتج بأنني أقوم بمراجعة نقدية ذاتية قد تحولني إلى أحد حكماء المجتمع اللبناني، أصحاب الرؤى التصالحية، فأنا مقتنع تماماً أن لكل حدث وتاريخ ظروفه وأحاسيسه ونزواته وتفاعلاته، ولا يمكن الحكم اليوم على الماضي إلا بعين الرفق والتفهم، فلا شيء يغيّر الماضي، ولكن الأهم هي العبر منه لإصلاح الحاضر وتفادي المطبات في المستقبل. وأنا، وبتجرد، لست متأكداً اليوم بأنني إن عدت إلى الماضي كنت سأغير قناعاتي في وقتها، وإن غيرت فلن يغيّر ذلك حركة التاريخ!

المهم هو أن نشوء حركة ولاية الفقيه لم يكن خارج سياق منطقي للتاريخ، ولن أذهب اليوم في منطق الإتهامات العبثية حول المؤامرات التي تجمع ولاية الفقيه مع إسرائيل أو أميركا، حتى لو كان تقاطع المصالح بين هذه المشاريع قد يوحي بالشك، مع العلم أن تقاطع المصالح قد يحدث تكراراً بين أكثر المشاريع تباعداً وعداوة في ما بينها.

أنا في هذا السياق أتفهم المسار التاريخي الفقهي والماورائي الذي أدى إلى تطور رؤيا ولاية الفقيه على مدى التاريخ الإسلامي، ولن أصفه إلا بكونه وجهة نظر.
وأتفهم أيضاً، لا بل أتعاطف، من واقع الشيعة في لبنان الذين تم اقصاؤهم، إما إهمالاً أو عن خبث، عن موقع القرار السياسي في لبنان في ميثاق . كما أنني أتفهم الموروث الثقافي الحسيني والمظلومية والحاجة إلى الثورة التي أدت إلى انخراط أبناء الطائفة في الحراك الثوري والحزبي اليساري في ما بعد.

وأيضاً خارج إطار الإتهامات، اعتبر اصطفاف معظم الشيعة وراء كاريزما الإمام المغيب موسى الصدر أمراً منطقياً. على هذا الأساس فإن تأثر هؤلاء بانتصار الثورة الإيرانية كان أمراً مفروغاً منه، كما أن تغلغل الحرس الثوري تحت راية الولي الفقيه، أثناء وبعيد الإجتياح الإسرائيلي، كان لسد فراغ هائل أحدثته صدمة الإحتلال وردّ الفعل على الخطايا المميتة لمن كانوا يتولون المواجهة مع إسرائيل في تلك الحقبة.

لن أدخل هنا في متاهات الحديث عن إيران غيت ولاحقاً عوفر غيت ولا عن الحروب المدمرة التي عصفت بلبنان ولا عن أسبابها فكما قلت لن يغير ذلك شيئاً. وعلى الرغم من قناعتي بأن مشروع ولاية الفقيه كان مدمراً على لبنان واغتال رفيق الحريري وغيره من شيعة وسنة ومسيحيين، ولكن من وجهة النظر العقائدية النقية الصرفة فإن حزب ولاية الفقيه كان ينفذ مهمة مقدسة لتوحيد الأمة تحت راية الولي الفقيه، أما الضحايا فهم أقل أهمية بكثير من “الهدف النبيل”، ولا شك عندي أن اسكندر المقدوني ويوليوس قيصر ومحمد الفاتح ونابوليون بونابرت وفلاديمير اليتش لينين وأدولف هتلر وأسامة بن لادن كان لهم أيضا أهداف نبيلة تحلل الموت والدمار.

تطورات الحدث السوري
المهم بصراحة اليوم! إن تطورات الحرب الدائرة في سوريا بوقائعها الداخلية والمواقف الخارجية تضعنا كلبنانيين في موقع دقيق بدأت بوادره توحي بكوارث مكررة.
لم تعد اليوم التعاويذ الفارغة كمقولة “شعب وجيش ومقاومة” تفيد بشيء لتغطي ضعف قوى آذار وعجزها عن المواجهة المفتوحة مع ما تبرقع بالمقاومة. ولم يعد هذا البرقع والمواجهة مع إسرائيل ينفع في ظل الإنغماس المفتوح في الحدث السوري.

ولا يمكن الإنكار من جهة أخرى أن العجز عن مواجهة حزب ولاية الفقيه بالسياسة والتسويات فقط من قبلنا، أنبت أفكاراً وحركات شديدة التطرف وغارقة في فوضى الفكر والممارسة، زاد في تضخيمها الحدث السوري والشعارات المتطرفة والعشوائية الإقليمية في دعم الثورة في سوريا إضافة إلى التنافس السلبي بين القوى الداعمة لهذه الثورة.

كما أن المؤثر السلبي الآخر هو الإصرار الغربي على إطالة عمر الحرب في سوريا مما يفاقم في استدراج المتطرفين وفي الوقت نفسه يزيد في منسوب الدمار والدم والحقد مما سيؤدي حتماً إلى انهيار المؤسسات وتفتيت الوحدة السورية.

أنا أعلم علم اليقين أن مشروع ولاية الفقيه بشقه التوسعي انتهى مهما كانت نتيجة الحرب في سوريا، وأعتقد أن نهايته في إيران ستلحق سريعاً لأسباب شرحتها في مقالات سابقة، ولم أعد أفهم من دعم بشار الأسد إلا زيادة العذاب قبل الإنتحار أو منطق شمشون بهدم الهيكل عليه وعلى أعدائه.
أن يتقي الحزب

ما أريد أن أقوله اليوم هو أنه أمام لبنان فرصة واحدة فقط لتفادي الكارثة، فمعركة لبنان اليوم تدور رحاها في القصير وريف حمص، وإن حصل الإختراق هناك أو انهارت الجبهة أو قرر ما تبقى من النظام الإنكفاء بالكامل إلى الساحل السوري، فإن شيئاً لن يقف في وجه انهيار الحدود اللبنانية- السورية ودخول الحرب من بابها الواسع إلى لبنان.

والعامل الثاني المحتمل يعتمد على ما تحضره دولة العدو في ظل كل ذلك وفي ظل تراكم الأسباب التي قد تسوغ عدوانا جديداً في ظل انشغالنا بالوضع في سوريا!
الحل واضح وبسيط ، بقدر ما يبدو مستحيلاً! وهو أن يخرج حسن نصر الله في خطاب طويل تأبيني لشهداء المقاومة وانجازاتها مدبج بآيات بينات عن الصلح ووحدة الأمة وحقن الدماء، ينهيه بالإستعداد للقيام بتسويات مؤلمة لحماية لبنان. تدعى بعدها هيئة الحوار الوطني بكامل أعضائها لوضع استراتيجية يكون عمادها الإحتواء التدريجي لسلاح الحزب داخل المؤسسات الوطنية، وقرار فوري بعدم المبادرة العسكرية إلا بإمرة القيادة الوطنية لحكومة وحدة وطنية.

من بعدها تتوجه القوى السياسية والأمنية لتفكيك حازم لكل المجموعات المسلحة بالتوازي مع ضبط الحدود وتنظيم اللجوء السوري إلى حين حصول تسوية ما أو حسم ما في سوريا.

وفي الوقت نفسه تعلم الحكومة للمجتمع الدولي بتفكيك البنى العسكرية الخارجة عن السلطة وبالتالي التنفيذ الكامل للقرار .
الخيار الثاني هو انتظار معجزة من خلال الإستمرار في القتال وفي النهاية دمار الهيكل على الجميع.
() عضو المكتب السياسي في “تيار المستقبل”

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل