الأربعاء 03 نيسان 2013
إنه طيف الحلف الرباعي يُرفرف مجدداً. ومن علامات القدر أنّ اللّاعبين هم أنفسهم، وفي مواقعهم إيّاها، في ربيع 2013 كما في ربيع 2005. وحتى “العرّابون” هم أنفسهم: نجيب ميقاتي رئيس للحكومة، والرئيس نبيه برّي والنائب وليد جنبلاط لولب الوساطات، “حزب الله” حقوقه محفوظة ضمن الصفقة، أما المسيحيون فغير موجودين على الخريطة، من بكركي إلى الرابية إلى معراب وبكفيا!
لم يكن ينقص الصورة إلاّ موفد الأمين العام للأمم المتحدة تيري رود لارسن، صديق ميقاتي. لكن سفيرة الولايات المتحدة مورا كونيللي عوّضت الغياب، واضطلعت بدور أكثر فعالية، لأنها صديقة الجميع على حدّ سواء.
صراخ بكركي وقادة المارونية مستعاد في ذكراه الثامنة. يومذاك، رفعت بكركي شعار “المناصفة الحقيقية”، كما اليوم. لكنْ ما قاله البطريرك مار بشارة بطرس الراعي في رسالة الفصح كان بليغاً: “الجميع يعملون في السرّ لتمرير قانون الـ60”. والبطريرك يتحدّث عن “الجميع” بناء على معلومات لا تحليل. فهو “في الجوّ”. وهذا “الجوّ” حمله من روما. لكن الرئيس ميشال سليمان، في ضيافته، كان أكثر وضوحاً عندما قال: “قانون الـ60 خطأ، لكن عدم إجراء الانتخابات خطيئة”.
منذ استقالة ميقاتي، تبيّن أن هناك “قطبة مخفيَّة”. فلا التمديد للواء أشرف ريفي يُسقط حكومةً يدافع عنها “حزب الله” بـ”رموش العين”، ولا مسموح لرئيسها وسائر وسطييها باتخاذ المبادرة. فإسقاط الحكومة لم يكن مطلب “حزب الله”، لكنه حصل بـ”قبَّة باط” منه، وإلاّ لكان البلد اليوم شبيهاً بـ”سادوم وعمورة”. وكان لافتاً قول العماد ميشال عون لحلفائه في اجتماع الرابية الأخير: “إذا كنتم تريدون إعادة ميقاتي… فلماذا أسقطناه”؟ وهذه إشارة كافية، على الأقلّ، لإثبات “قبَّة الباط”.
إذا تمّ التفاهم على صفقة حول الحكومة والانتخابات النيابية وموعدها وقانونها، فهذا يعني أن “حزب الله” “قبَّ الباط” أيضاً عن الحكومة والانتخابات، وأنّ استقالة ميقاتي كان مطلوباً منها أداء هذا الدور.
وفي المشهد اليوم، نامت مشاريع “الأرثوذكسي” والدائرة الواحدة وحتى المختلط، واستفاق طيف الـ60. وحتى عون بردت حماسته “الأرثوذكسية”، وكذلك “القوات اللبنانية” والكتائب. ويكاد “المستقبل” يحذو حذوَ جنبلاط بتقديم الترشيحات وفقاً للقانون الساري، لولا “ماء الوجه”. ويبدو “المسيحيون المستقلون” في صدد الترشُّح أيضاً وفق الـ60. ويسود الصمت عين التينة. وكالمعتاد، يتكفّل “حزب الله” بضبط الانفعالات في الرابية.
«تهدئة اللعبة»
صاحب القرار الحقيقي اليوم هو “حزب الله” وليس الوسطيّون الموصوفون بأنهم “بيضة القبان”. فهذه “البيضة” لم تتجرّأ يوماً على منازلة “الحزب”، منذ أن تولَّت “القمصان السود” إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري والمجيء بالحكومة الميقاتية. والأدوات التي يمتلكها “حزب الله” لمنع الخيارات السياسية التي يرفضها ليست موجودة في السلطة فقط، بل خارجها أيضاً، وبها وصل إلى انتصاراته الحالية وهي لم تضعف بل تضاعفت.
ولن يصدّق أيّ من حلفاء “الحزب” أو خصومه أنه بات محاصراً ومستضعفاً إلى درجة تسمح لميقاتي ووسطيّيه والخصوم في تيار “المستقبل” بفرض الخيارات السياسية والدستورية عليه. ويمكن فقط أن يتوقع المحللون وصول “الحزب” إلى هذه الوضعية إذا ما لاحت فعلاً بوادر السقوط المدوّي للنظام في سوريا.
لكن ما يجري، على الأرجح، هو أن “الحزب” اختارَ تغطية نفسه عربياً ودولياً في فترة الانتظار السورية. لقد تحدّاه ميقاتي، بدعمٍ دولي، بإسقاط الحكومة، فوافق على التحدّي. وتبيَّن أن التوقيت مناسب له أيضاً: هو يريد “تهدئة اللعبة” المحلية قليلاً، بما يسمح له بالتفرُّغ لمتابعة الملف السوري. ويقوم بذلك تماماً كما وافق على “تهدئة اللعبة” بالحلف الرباعي، بعد الضربة التي تلقّاها في العام 2005، عندما أُجبِرت دمشق على إخراج جيشها من لبنان. وبعد ذلك، بدأ يختار الضربات إستراتيجياً في المواقع التي يريدها… إلى أن تمكن من قلب المعادلة، فأصبح هو الغالب وفي يده الغالبية.
«حزب الله» يتفرَّغ لسوريا
وإذا اقتضى ذلك إضاعة الوقت ببعض التفاصيل في لبنان فلا بأس، سواء بالفراغ الدستوري، أو بتسويةٍ تشبه الفراغ وتخفّف عنه الضغوط الدولية واستحقاق ملفاته المفتوحة في أماكن عدة من العالم. ولا شيء يخسره “الحزب” حالياً، لا بالفراغ ولا بحكومة ميقاتية جديدة أو شبيهة بالميقاتية، يَطْمَئِنُّ إليها، وتُجدِّد الاعتراف بـ”ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة”. أما الانتخابات فلن يسمح برّي بموعدها وقانونها إذا لم تُحفظ المكانة الحصرية للثنائي الشيعي.
سيكون عون الخاسر الأكبر. وسيكتشف هو وسائر القوى المسيحية أنّ موقعهم على خريطة القوى ليس سوى “تقّالة” هنا أو هناك للإستهلاك السياسي… أو الشخصي.