كتب علي الحسيني في “المستقبل”
أما وقد طارت حكومة القمصان السود بعد أن بلغ السيل الزبى بمجموعة من العابثين الذين عاثوا في البلد فساداً وقطعوا أوصاله بعد أن حوّلوا بعض مناطقه الى مربعات أمنية شبيهة بدويلات خاصة ولكن قائمة على الأملاك العامة، يبقى القول أن الأيام المقبلة قد تكون الأصعب والأخطر على لبنان في المرحلة الراهنة طالما أن عقلية التفرد والاستقواء بالسلاح، ما زالت تتحكم في تصرفات فريق استعمل شعار “الممانعة” في شتى الميادين إلا في ما خص وحدة لبنان ومنعته.
خسر “حزب الله” بالأمس رئيس حكومته بالاستقالة، واليوم هو على طريق خسارة الحكومة بأكملها بعدما أيقن أنه في بلد الطوائف والمذاهب لا مكان للحزب الواحد أو للأفكار الشمولية. ومع هذا تتخوف مصادر مطلعة من أن يلجأ الحزب لسيناريو مشابه لما حصل في السابع من أيار أو حتى سيناريو القمصان السود اللذين ثبت يقيناً مدى عقمهما على “طبخهما” إذ أن تداعيات الأول ما زالت قائمة حتى اليوم وخير دليل ما يجري من اقتتال يومي متنقل من الشمال الى الجنوب، والثاني ثبت فشله في إدارة حكم البلاد خصوصاً عندما تعلّق الأمر بسرقة قرار طائفة بأكملها.
أمام هذا الواقع المرير غير المستجد الذي تمر فيه البلاد ومن منطلق مقولة “من جرّب المجرّب عقله مخرّب” بدأت تتسرب معلومات حول الطرق التي سوف ينتهجها “حزب الله” في تعاطيه مع المرحلة المقبلة، من ضمنها إعداده لمجموعة من الخطط التي ينوي التحرك على أساسها. أولاً، خلق توترات متنقلة وتحديداً في الشمال بين منطقتي جبل محسن وباب التبانة تكون أشبه بحرب مدمرة تعطيه ذريعة التحرك في كل الاتجاهات في محاولة منه للتغطية على ما يحدث في سوريا خصوصاً بعد كثرة الأحاديث الأخيرة التي تطرقت الى أرجحية استعمال النظاما لسوري للأسلحة الكيميائية ضد الثوار في ظل تقاعس دولي عن التدخل الفعلي لإنهاء حكم آل الأسد، وبالطبع فإن مدينة بيروت وخصوصاً منطقة الطريق الجديدة اضافة الى بعض المناطق المحددة في الجبل، لم تغب بدورها عن مخططات الحزب التخريبية.
الواضح بحسب المعلومات، ان “حزب الله” منقسم الى فئتين، فقلّة قليلة منه تطالب باعتماد لغة الحوار كوسيلة للتوصل الى مجموعة نقاط يمكن الالتقاء عندها مع فريق محدد داخل قوى “14 آذار”، وهو تيار “المستقبل”، وعلى رأسها موضوع المحكمة الدولية وما قد ينتج عنها، اضافة الى تطورات الوضع في سوريا، وأخرى تدعو الى التشدد وعدم التهاون مع مطالبة البعض بنزع السلاح حتى ولو اضطر الأمر الى القيام بمئة 7 أيار تمهيداً للوصول الى اتفاق دوحة جديد على أقل تقدير.
وفي هذا السياق افتعال “7 أيار” جديد، يرى الوزير السابق محمد عبد الحميد بيضون في حديث الى “المستقبل” ان “الوضع في بيروت وصيدا وطرابلس واحد، والأخيرة تستعمل هذه الفترة كفتيل للإشعال إلا أن المستهدف هو لبنان، وترويج الحزب لوجود جبهة النصرة وما شابه في شمال لبنان واتهاماته المفرطة بحق بعض الشخصيات، يؤكد أن هناك جناحاً داخل “حزب الله” يشبه الجناح الآخر داخل إيران، يميل الى السيطرة على الوضع اللبناني كما السوري بقوة السلاح، وهذا وهم لأنه ما من أحد يستطيع فرض أي واقع جديد على هذا البلد كالتقسيم تحت قوة السلاح مهما كبر حجمه أو حجم سلاحه”.
ويشدد بيضون على ان “استقالة الرئيس نجيب ميقاتي يجب أن تُعيد البلد الى التوازن، لأن الحكومة الماضية كانت حكومة “حزب الله” مئة في المئة، ويبقى شكل الحكومة التي سيتم تأليفها محل بحث بين جميع المكونات السياسية، فاليوم، تحاول قوى “8 آذار أن تُسوّق التمديد لمجلس النواب لمدة سنتين لأنه الأمر الوحيد الذي يُبقي سيطرتها على البلد مقابل منح “14 آذار” أموراً بسيطة كالتمديد للقادة الامنيين، داعياً قوى الإستقلال الى مقابلة هذا العرض بمطلب اساسي وهو عودة التوازن للبلد وأن لا تتجاوز فترة التمديد الستة اشهر”.
ويعتبر بيضون أن “ميقاتي قدم استقالته لأنه شعر بأن البلد لا يستطيع أن يُكمل تحت سيطرة “حزب الله” وبشار الاسد الذي ينهار ويعيش المرحلة الاخيرة من عمر نظامه، وميقاتي حاول النأي بنفسه عن مصير النظام السوري من خلال الاستقالة، علما أنها لا تسمح له بتبييض صفحته، فميقاتي ومن خلال تعاونه وتكاتفه مع “حزب الله” ورئيس مجلس النواب نبيه بري والنائب ميشال عون أخذوا البلد خلال عامين الى انهيار كامل على الصعد كافة ، الأمنية منها والمعيشية والقضائية والادارية. أنا لا اعتقد أن قوى “14 آذار” سوف تغفر لميقاتي كل تلك الخطايا التي ارتكبها هو و”حزب الله”.
ولا يُبدي بيضون خشيته من “آذارات” الحزب بقدر خشيته من “آذارات” إيرانية، لأن السؤال الأهم الذي يجب أن نطرحه هو، هل ستبقى كل دولة ضمن حدودها، ام أن هناك تعديلات في الحدود كإنشاء دولة علوية شيعية لأن إيران لا تريد أن تخسر كل شيء في المنطقة. وعن توقعاته للفترة المتبقية للأسد، يختم بالقول: إن المبعوث الأممي الأخضر الإبراهيمي الذي هو برأيي ميال إلى بشار الاسد كان قد إعطاه مهلة حتى نهاية السنة الحالية، لكنني لا أعتقد أنه قد يصل إلى هذه الفترة”.