#dfp #adsense

إبعاد مواعيد طاولة الحوار في لبنان في انتظار المستجدات الإقليمية

حجم الخط

إبعاد مواعيد طاولة الحوار في لبنان في انتظار المستجدات الإقليمية 

«الدولة أصبحت غير متماسكة. والحكومة أشبه بعربة يجرها حصانان أحدهما يشد بها الى الأمام والثاني يشد بها الى الوراء، وترى في داخلها من يضاد ويقاوم ويسعى الى إحباط كل عمل تريد القيام به. وقد جرت العادة، في العالم كله، أن تتولى الأكثرية الحكم. حتى إذا أخفقت أو هزلت أو خذلت تولت الأقلية الحكم مكانها».

هذا ما جاء في رسالة الميلاد للبطريرك الماروني الكاردينال نصرالله صفير، ما أثار حفيظة المعارضة التي تشارك في الحكومة اللبنانية الحالية التي تشكلت بموجب «اتفاق الدوحة» والتي سميت حكومة الوحدة الوطنية، على رغم بعدها عن الوحدة والانسجام، إذ يطغى على أداء ممثلي المعارضة فيها هاجس الانتخابات النيابية المقبلة، ويحاولون كسب الانتخابات من خلال تصويب سهامهم على رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة واتهامه بالتفريط بأموال الدولة والاستئثار بالمساعدات المالية السعودية لمتضرري حرب تموز (يوليو) 2006 بتحويل قسم منها لإعادة ترميم بعض البنى التحتية في مختلف المناطق اللبنانية، والاستدانة من الوديعة السعودية الموجودة في البنك المركزي مبلغ 424 مليون دولار أميركي، من دون الرجوع الى مجلس النواب.

تهدف المعارضة من هجومها على السنيورة تحقيق أهداف، منها: الاستحواذ على مكاسب انتخابية كون المطالب الشعبية أكبر من قدرة الحكومة على تلبيتها متناسية انها جزء أساسي من التركيبة الحكومية وتتحمل تبعات أعمالها والتقصير في تقديماتها، وتأليب الرأي العام، وخصوصاً الشيعي، ضد السنيورة والمملكة العربية السعودية لأهداف خاصة وإقليمية، مع العلم أن المملكة كانت صاحبة المساهمة الأولى في إزالة آثار عدوان تموز حيث قدمت مساعدات مالية للبنان توازي تقريباً نصف المساعدات التي حصل عليها، ولم نقرأ بياناً أو نرى لافتة شكر لها من المتضررين أو من الذين كانوا السبب في الضرر، بل انصبت بيانات الشكر ولافتات التمجيد على الذين قدّموا أقل منها بكثير. وفي مكاشفة للسنيورة حول موضوع المساعدات المالية يتبين أن الدولة ودافعي الضرائب تحملوا 40 في المئة من نفقات الإعمار التي رتبت عجزاً قيمته 424 مليون دولار أميركي، وأن الدولة لم تتسلم أي مبلغ من «الأموال النظيفة» التي تحدث عنها الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصر الله، والتي أعلن أنها جاهزة وستغطي كل نفقات إعادة الإعمار والتعويض على المتضررين، فضلاً عن التعهد الذي كان قد أطلقه بتأمين أي مبالغ تنقص للدولة اللبنانية في تغطية تعويضات العدوان وأضراره. وكان كل ما قام به هو دفع مبلغ بسيط لكل عائلة متضررة، من أجل تأمين مسكن موقت لها، بانتظار إعادة إعمار مسكنها من أموال المساعدات التي تلقتها الدولة، وكسب بذلك ودّها وحافظ على دعمها، وأبعد الضغوط عنه بتحويلها نحو الدولة.

واللافت للانتباه أن يحتفل «حزب الله» بإنجازات إحدى مؤسساته «وعد» التي قامت بإعادة إعمار بعض البيوت المهدمة في الضاحية الجنوبية وكأنها تمت من أمواله، بينما هي في الحقيقة من الأموال التي دفعتها الدولة للمتضررين الذين حولوها بدورهم الى الحزب. أما استدانة الدولة من البنك المركزي من دون الرجوع الى مجلس النواب، فكان هدفها مساعدة المتضررين في الضاحية، لعدم كفاية الأموال الواردة، حيث كان نصيب الدولة من إعمار البيوت المتضررة فيها حوالى 90 في المئة من إجمالي التكاليف، ولأن المجلس كان مقفلاً بقرار رئيسه نبيه بري وهو ركن رئيس في المعارضة. لطالما أعلن «حزب الله» أنه لن يسلم سلاحه الى الدولة، لأنها ضعيفة ولا تملك وسائل كافية للدفاع عن حدودها وعن حماية مواطنيها من الاعتداءات الإسرائيلية، وأنه عندما تصبح الدولة قوية وقادرة، تنتفي عندها الحاجة الى سلاحه، ويصبح في الإمكان تسليمه الى الدولة. وعندما بدأت الدولة بتسليح جيشها بالسلاح المتطور، بدأت تنتاب الحزب الهواجس، خصوصاً من الهبة الروسية بتقديم 10 طائرات ميغ 29 الى الجيش اللبناني، حيث شكك مع بقية أطراف المعارضة بهذه الهبة، بحجة أنها لن تحمي لبنان من أسراب الطائرات المتوافرة لدى إسرائيل، وستكون عبئاً مادياً كبيراً على الدولة، لأن تكلفة صيانتها وتزويدها الصواريخ والرادارات والعتاد العسكري المطلوب لتشغيلها، ستكون كبيرة. صحيح أن زج الجيش اللبناني في مواجهة مع إسرائيل بمثابة انتحار، في مواجهة آلة حربية إسرائيلية شديدة التطور، لكن لا يمنع ذلك من أن يكون للبنان قدرة على الردع والرد المقابل.

إنني من القائلين إن حماية لبنان تكون بوحدته الوطنية، واتفاق الأطراف السياسية الرئيسة على هويته، ودوره في مساندة القضية الفلسطينية بما لا يتعارض مع سيادته أو يؤدي الى زعزعة استقراره، وتثبيت اتفاق الهدنة بينه وبين إسرائيل بضمانات دولية، وحل الميليشيات المسلحة واستيعاب بعض عناصرها في القوى المسلحة الشرعية، وحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة، وإبعاد لبنان عن الصراع الإقليمي – الدولي.

وتشكل الاستراتيجية الدفاعية موضوعاً خلافياً كبيراً بين طرفي النزاع في لبنان، ويحاول رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان إيجاد تسوية لها، من خلال طاولة الحوار التي فشلت في جلستها الثالثة التي عقدت في 22/11/2008 في إيجاد صيغة توافقية للاستراتيجية المطلوبة نظراً الى تداخل العوامل الداخلية والإقليمية، لا سيما في ما يتعلق بوظيفة سلاح «حزب الله» وأشكال تسليح الجيش والتكامل بين سلاح الدولة وسلاح المقاومة وضمن أي صيغ. ولا تنفصل المداولات في شأن الاستراتيجية الدفاعية عن الترتيبات التي تحضّر لمنطقة الشرق الأوسط والمراحل المتقدمة التي قطعتها الاستعدادات لإطلاق مفاوضات مباشرة بين سورية وإسرائيل للتوصل الى اتفاق سلام بينهما. الأمر الذي دفع طاولة الحوار الى «إحالة الخلاصات والقواسم المشتركة بين مختلف الطروحات المقدمة من بعض أعضائها على لجنة خبراء منتدبين» مكتفية بالتأكيد على «التزام التهدئة السياسية والإعلامية بين الأطراف ومع الدول الشقيقة والصديقة خدمة للسلم الأهلي ومصالح لبنان العليا». وربما يعود تحديد موعد الجلسة المقبلة في 21/1/2009 لمعرفة توجهات الإدارة الأميركية الجديدة، بعد تسلمها الحكم، تجاه منطقة الشرق الأوسط.

تتعرض غزة لعدوان إسرائيلي بربري، أدى الى سقوط أكثر من 600 شهيد وحوالى ثلاثة آلاف جريح والى تدمير المقرات الحكومية والمراكز الأمنية والتربوية والإعلامية والاجتماعية لحركة «حماس». يعاني الشعب الفلسطيني منذ ستة عقود من القهر والاحتلال، ومقاومة الاحتلال هو حق مشروع له وواجب على العرب مساندته من أجل إزالته وإقامة الدولة الفلسطينية. ولكن على المقاومة الفلسطينية أن تتصرف بعقلانية وحكمة وأن تأخذ في الاعتبار عدوانية إسرائيل وغطرستها ووحشية ردودها وإمكاناتها العسكرية الهائلة والدعم الأميركي المتواصل لها والضعف والتشتت العربيين، قبل الإقدام على أي عمل عسكري. وعلى «حماس» بصورة خاصة أن تضع مصلحة الشعب الفلسطيني فوق كل اعتبار فتبتعد عن القوى الإقليمية التي تستغلها لمصالحها الخاصة، وتعود الى أصالتها الفلسطينية وتعمل على توحيد الصف الفلسطيني لمقاومة الاحتلال بكتلة متراصة وطرق مدروسة. ونأمل بأن لا يكرر «حزب الله» ما قام به في تموز 2006 دعماً لغزة عندما استباحتها إسرائيل رداً على خطف عدد من جنودها. فهل يعود إبعاد مواعيد طاولة الحوار في انتظار نتائج المستجدات الإقليمية أم أن الطاولة هي مجرد تهدئة في انتظار الانتخابات النيابية المقبلة؟

المصدر:
الحياة

خبر عاجل