#adsense

سورية ومصر والسعودية… من التصدع السياسي إلى الأمني (زين الشامي)

حجم الخط

سورية ومصر والسعودية… من التصدع السياسي إلى الأمني 

لا يخفى على أي مراقب للشأن الشرق أوسطي أن المشهد العربي بات أكثر انقساماً وفرقة وتصدعاً مع استمرار الخلافات السورية – السعودية – المصرية، نظراً إلى ما تمثله هذه الدول من ثقل وتأثير في محيطها الإقليمي وعلى الكثير من الأوضاع الداخلية لبعض الدول العربية وبؤر التوتر، كالأراضي الفلسطينية والعراق ولبنان، رغم أن الأخير يشهد اليوم حالاً من الاستقرار الأمني، وإلى حد ما استقرار سياسي منذ «اتفاق الدوحة» في مايو العام الفائت.

في هذا الصدد، كلنا يعلم الأثر الكبير على الاستقرار في المنطقة العربية بفعل العلاقات الطيبة التي كانت تجمع هذه الدول إبان ما كان يُعرف بالمثلث المصري – السعودي – السوري قبل نحو خمسة أعوام.
لكن ومنذ الاحتلال الأميركي للعراق، وإسقاط نظام الرئيس صدام حسين عام 2003، كان واضحاً أن هذه الهزة الإقليمية سترخي بظلالها الثقيلة على العواصم الثلاث، فمنذ ذلك التاريخ لم تعقد أي لقاءات على مستوى القمة، وهو ما درجت عليه العادة قبل سقوط النظام العراقي. وعليه يمكن القول، إن هذا المتغير الإقليمي، حيث باتت الولايات المتحدة، جارة إقليمية، ساهم إلى حد ما في بداية التصدع، فلقد تفاوتت مواقف دمشق والرياض والقاهرة من الاحتلال ومسألة إسقاط نظام «حزب البعث».

الهزة الإقليمية الثانية التي ساهمت في حصول شرخ بين هذه الدول تمثلت في عملية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، وما استتبعته من هزات في العلاقة السورية – اللبنانية أولاً، والسورية – السعودية ثانياً على خلفية العلاقة الوثقى التي تربط الحريري بالمملكة السعودية، وثالثاً ما جرته عملية الاغتيال من ارتدادات على المستوى الدولي، وقتذاك اتهمت دمشق وحلفاؤها في لبنان بالوقوف وراء الجريمة، وهذا بدوره أشعل الحال اللبنانية الداخلية وتسبب بمزيد من الشروخات الداخلية والانقسام السياسي. ونظراً إلى ما يربط كل من السعودية وسورية في لبنان من صداقات وتحالفات ساهمت الحال اللبنانية في حصول جفاء أكبر في العلاقة السعودية – السورية، في هذه الأثناء كانت مصر تراقب ما يجري، ولم تكن منخرطة كثيراً في الخلافات السورية – السعودية. لقد كانت القاهرة تسعى إلى البحث عن دور توفيقي بين دمشق والرياض والحد من تداعيات جريمة اغتيال رفيق الحريري، لكن ذلك لم يدم طويلاً، فها هي مصر تحزم حقائبها وتقرر وقف مساعيها الديبلوماسية حين بدأت الحرب الاسرائيلية على لبنان عام 2006. لقد صدر عن النظام السوري في سياق تلك الحرب قولاً سوف لن تغفره القاهرة ولا الرياض أيضاً. لقد وصف بعض الزعماء العرب بأنصاف الرجال، على خلفية موقفهم من تلك الحرب. لقد كان يطمح النظام على ما يبدو لتأكيد شرعية داخلية وعربية من خلال تلك الحرب على حساب مصر والسعودية، وهو الأمر الذي وجده المراقبون خروجاً عن التقاليد التي كانت سائدة في السياسة السورية سابقاً، وفي علاقاتها العربية، خصوصاً مع القاهرة والرياض.

لقد بدا النظام السوري متهوراً، في وقت كان عليه أن يحافظ على علاقة طيبة ولو بحدها الأدنى مع هاتين الدولتين العربيتين في وقت بدأت الولايات المتحدة وأوروبا فرض عزلة إقليمية ودولية على دمشق.
ثمة عامل آخر وظروف سياسية موضوعية ساهمت في تعميق الخلافات بين أركان هذا «المثلث العربي» ممثلاً في هذه الدول المركزية، حين لعبت الحرب الأميركية في العراق وما كان يطلقه صقور الإدارة الأميركية من تهديدات بإسقاط نظام «حزب البعث» في دمشق دوراً كبيراً في زيادة تقارب دمشق مع طهران التي كانت بدروها تعيش هواجس متشابهة وتستشعر خطراً جراء التهديدات الأميركية ووجود القوات الأميركية على مقربة من حدودها. هذا التقارب السوري – الإيراني الذي بدأ يتعمق ويكبر مع الوقت، لم يكن موضع ارتياح في كل من السعودية ومصر. وما زاد الطين بلة، إطلاق بعض المسؤولين السوريين تصريحات غير مسؤولة بحق الدورين السعودي والمصري، كتلك التي أطلقها نائب الرئيس السوري فاروق الشرع حين تحدث عن «شلل» في الدور السياسي السعودي، وهي تصريحات لم تختلف كثيراً عن النقد السوري الذي صدر سابقاً عن النظام. وهذا تسبب مع الوقت في اتخاذ قرار سعودي غير معلن بتجميد العلاقة مع دمشق وعدم العودة عن ذلك. ولوحظ الموقف السعودي في الكثير من المناسبات، مثل غياب الرياض عن الاجتماع الأمني الذي عقدته سورية صيف 2007 لدول الجوار في العراق، وضمّ 13 دولة وحضرته حتى أميركا، مما أغضب دمشق، رغم أنه كان على مستوى الخبراء، وكان يمكن للسعودية أن تحضر، ولو على مستوى موظف في سفارة وألا تترك المقعد فارغاً، كما قال فاروق الشرع.

هذا الموقف السعودي الذي أحرج دمشق، كان له أن يساهم في مزيد من التدحرج في كرة الثلج، في ما بعد شنت دمشق حرباً على ما وصفته بالصمت السعودي والعربي على السعي الأميركي الدائم لحصارها داخلياً ودولياً، واستغربت سورية كذلك انخراط السعودية ومصر والأردن ودول الخليج في تحالف «المعتدلين»، وهنا يعود فاروق الشرع ليغمز من قناة «حلف المعتدلين» حين قال: «نتمنى أن يكون الاعتدال اعتدالاً حقيقياً فنحن معتدلون، ولكن الآخرين مستكينون ويطلق عليهم اسم معتدلين، فالاعتدال لا يعني الاستكانة أو ما يريده الأجنبي».

وأخيراً، كان لا بد لحال الانقسام بين هذه الدول أن تترك آثارها الكبيرة والخطيرة على الحالة الفلسطينية عموماً، وعلى ما وصلت إليه الأمور في غزة منذ بدء الحرب الإسرائيلية عليها. فلقد ساهمت هذه الخلافات والتناقضات العربية في حصول استقطاب فلسطيني – فلسطيني، حين سقطت غزة في 2007 بيد حركة «حماس» الحليفة لدمشق وطهران، ومن ثم وقوف السعودية ومصر ووراءهما الولايات المتحدة وأوروبا مع السلطة الفلسطينية ممثلة برام الله ومحمود عباس.

إن الخطورة الحقيقية اليوم على الأوضاع العربية نتيجة لاستمرار هذا التصدع في العلاقة السورية – السعودية – المصرية تتمثل في أن أطراف هذا الصراع العربي الحالي هم أكبر الدول العربية والأكثر تأثيراً في محيطهما، وهذا يعني أن هذه الدول التي كانت في السابق تتدخل لحل الخلافات بين أي دول عربية متخاصمة، وتملك تأثيراً ونفوذاً سياسياً ودينياً واقتصادياً وعسكرياً لإخماد التوتر السياسي والأمني الداخلي في أي من بقع التوتر، سوف لن تستطيع القيام بذلك مستقبلاً، بل على العكسن فإن وصول هذه الخلافات بين الدول الثلاث إلى مستويات متقدمة في المستقبل، وإذا ما أضفنا ايران حليفة دمشق، ربما يشكل عاملاً مؤججاً ومساعداً على التدهور، وعليه فإن بقعاً غير الأراضي الفلسطينية، مثل لبنان والعراق بعد خروج القوات الأميركية، قد تكون مستقبلاً، إحدى البيئات المرشحة لتجدد الانقسام وربما الحروب، نظراً إلى هشاشة الاستقرار السياسي والأمني في كليهما. ولمن يرى في ذلك مبالغة، فإن ما حصل في لبنان في ربيع العام الماضي، حين استولت ميليشا «حزب الله» حليف دمشق وطهران على مقار ومؤسسات «تيار المستقبل» المقرب من السعودية في استعراض لافت للقوة، هو خير مثال

المصدر:
الراي الكويتية

خبر عاجل