كلمة السر: ضبط الوضع الجنوبي
المحامي جورج ابو صعب
في ضوء تفاقم الوضع في غزة كما كنا ولا نزال نتوقع في مواقفنا السابقة وفي غياب المعالجات السريعة والجدية لوقف اطلاق النار– بات من شبه المؤكد ان لبنان دخل دائرة الخطر الامني انطلاقا من ثلاثة عناصر:
العنصر الاول: بوادر الانشقاق السياسي بين سوريا وايران: وهذا ما هو ظاهر وان بالخفاء من موقف البلدين الاقليميين الحليفين لحماس من حرب غزة – ما يعني دخول العلاقة بينهما دائرة التجاذبات التي ستحمل كل طرف على محاولة توريط الاخر لوضعه تحت الامر الواقع العسكري والامني وانتزاع موقف منه يصب في تلك او تلك المصلحة.
بعبارات اوضح ان سوريا اثبتت الى الان انه وعلى الرغم من التحرك الديبلوماسي العلني الذي تقوم به من باب رفع العتب تجاه رأيها العام والرأي العام الفلسطيني الحليف (حماس) وحليفتها ايران الا ان دمشق باتت محكومة باعتبارات التفاوض مع اسرائيل، ما جعل سوريا تقف من حرب غزة موقفا لاول مرة غير متحمس وغير منجر الى المواجهة. لا بل اكثر من ذلك فان مطالبة الرئيس الاسد في اثناء استقباله الرئيس الفرنسي مؤخرا بضرورة انعقاد قمة عربية " ولو بمن حضر" لهي اثبات مكشوف على مدى فرملة سوريا لدعمها لحماس وللمقاومة وهي التي لطالما كانت تتصرف في مثل هذه الحالات والتحديات كطرف في النزاع لا كوسيط يطلب انعقاد قمم عربية، وهي لم تنتظر يوما من يهب للمعالجة بقدر ما كانت تتجاهل العرب مجتمعين وتخوض المواجهة بقرار منها وفق ما كانت تعتبره مصالحها الحيوية.
اما ايران فلم تتبنى هذه المرة عمليا مقاومة غزة بالحماسة والتورط اللذين لطالما عودنا الرئيس نجاد عليهما وسبب ذلك ان الايرانيين ايضا لديهم هذه المرة حسابات سياسية مع الولايات المتحدة الاميركية – اوباما، ولا يرغب الايرانيون بتحمل وزر افساد العلاقة الجديدة التي يمكن ان تسوي ملفها النووي وعزلتها الدولية بالطرق السلمية والديبلوماسية مع محاور اميركي ابدى الى الان براغماتية في تعاطيه مع الملف النووي ومع ايران من خلال مواقفه اثناء حملته الانتخابية.
فايران نراها ايضا الى حد ما مكبلة ومقيدة هذه المرة وهذا ما انعكس الى الان تجميدا عملانيا لحزب الله في لبنان.
فضلا عن ان الايرانيين يضعون عينا على اميركا وعينا اخرى على سوريا الاسد التي لاحظوا انها منذ بدء الكلام عن تفاوض مع اسرائيل تحاول ضبضبة او لململة اطرافها والتميز قليلا عن ايران وعن مواقفها الراديكالية تجاه الكيان العبري لتسهيل المهمة التفاوضية مع اليهود بوساطة تركية. فسوريا في اعماق نفسها اليوم لا تزال تؤمن بامكانية التفاوض مع اسرائيل ونجاح المفاوضات معها، فيما ايران تسعى الى افشال التفاوض من خلال اشعال او دعم تسعير الحروب كما هو حاصل في غزة اليوم.
العنصر الثاني: وهو يتعلق بحالة الهيجان الشعبي والسياسي لحزب الله وجمهوره والتعبئة المشحونة : فالقراءة السوسيو – سياسية لموقف حزب الله اليوم من حرب غزة وكما يرشح من مواقف امينه العام السيد حسن نصرالله المعلنة ومن خطبه النارية يختصر في ان الحزب يحاول ممارسة اقصى درجات ضبط النفس ولو بصعوبة بالغة لانه محكوم باعتبارين استراتيجيين:
1- اعتبار عدم الظهور بمظهر من تخلى عن دعمه للمقاومة الفلسطينية والحليف الاستراتيجي حماس.
2- اعتبار ضبط جمهوره الذي قد ينتقل في مرحلة لاحقة قريبة الى مرحلة طرح التساؤلات حول عدم تحرك قيادته خاصة مع ازدياد الضغط العسكري على غزة. فراي عام الحزب خط احمر لقيادته وبالتالي لا ندري الى اي حد سيبقي الحزب نفسه بمنأى عن دخول المواجهة.
يضاف الى الاعتبارين عاملين ضاغطين على الحزب:
1- العامل الفلسطيني الحليف لسوريا في لبنان: كالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي لن تبقى بعد فترة قصيرة قادرة على الالتزام بضبط النفس انطلاقا من الاراضي اللبنانية ما يهدد الستاتيكو الحالي في الجنوب وفي موقف حزب الله.
2- والعامل الايراني السوري: فالحزب يشعر اليوم ببداية تداعيات التباعد السوري الايراني وبالتالي بازدياد الضغط الايراني عليه لاقفال الطريق امام السوريين في مفاوضاتهم مع اسرائيل خصوصا وان الساحة اللبنانية تقليديا تعتبر ايرانيا واقليميا وعربيا ودوليا ساحة حصرية للسوريين وبالتالي ان اي فتح لجبهة الجنوب اللبناني سيورط سوريا الى حد ما غصبا عنها.
كل هذه الاعتبارات والعوامل تضغط اليوم على قيادة حزب الله، وبالتالي كلما زاد الضغط العسكري على حماس في غزة كلما زادت احتمالات انفلات الوضع الامني في الجنوب اللبناني وبالتالي… في لبنان ككل.
العنصر الثالث: وهو العنصر الانتخابي النيابي في لبنان : فقوى 8 اذار تدرك الى الان بجدية ومن ضمنهم العماد ميشال عون وتياره بان الانتخابات المقبلة وفي اكثر من منطقة حساسة لهم لن تكون لمصلحتهم، وبالتالي سوف تتوجه الحسابات الانتخابية باتجاه تأجيل او عرقلة تلك الانتخابات ولو بزج لبنان في صراع مفتوح مع اسرائيل تحت شعار "مؤازرة المقاومة الفلسطينية في غزة"، كبديل عن حملة اغتيالات جديدة لقوى 14 اذار ورموزها. فهذا الامر يفيد الايرانيين والسوريين وفي نفس الوقت يخفف عن حماس الضغط الاسرائيلي العسكري عليها.
من هنا نرى ان الوضع اللبناني دخل دائرة الخطر الشديد خاصة واننا ندرك تمام الادراك ان الوضع الامني في الجنوب اللبناني ليس بالوضع الممسوك مئة بالمئة كما ان الجيش اللبناني ليس بقادر على فرض الامن بالقوة مع حزب الله ولا مع الفلسطينيين الموالين لسوريا، وبالتالي غير قادر على منع اي انفلات امني او اطلاق صواريخ باتجاه اسرائيل وقوة الامم المتحدة ليست بقادرة على ضبط الوضع الامني وهي تخرق كل فترة باحداث وتفجيرات تطال افرادها في عقر دارهم احيانا. وبالتالي نطرح التساؤل عن الاستراتيجية الدفاعية التي نخشى ان يتحول البحث والحديث عنها الى استراتيجية هجومية على اسرائيل انطلاقا من لبنان الامر غير المحسوم لبنانيا داخليا اولا ولا محسوم على مستوى الخطة الدفاعية ثانيا.
من هنا مناشدتنا المجددة لفخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ودولة رئيس الحكومة الاستاذ فؤاد السنيورة ودولة رئيس مجلس النواب الاستاذ نبيه بري للعمل السريع والعاجل على نسج خطة امنية في الجنوب مع القوات الدولية وبالتنسيق مع حزب الله لضبط الوضع الامني هناك ومنع اي خرق ممكن بين ساعة واخرى، واجراء الاتصالات الاقليمية والدولية من اجل تحييد الساحة اللبنانية عن المواجهة التي اذا ما حصلت فانها سوف تولد مواجهات داخلية لبنانية وستفلش سلاح الفلسطينيين خارج المخيمات وستزيد الاتقسامات بين اللبنانين.