#dfp #adsense

أسئلة برسم نصرالله

حجم الخط

أسئلة برسم نصرالله

لا هَمّ للسيّد حسن نصرالله غير الإشادة بصمود الفلسطينيين في غزّة أمام آلة الفتك الإسرائيلية. جُلّ اهتماماته ينصبّ على استفزاز الحناجر والقبضات الملوّحة في الهواء "تلبية له"، مسوغاً لنفسه اتّهام لبنانيين بـ"التآمر" و"التواطؤ"، وبإنهم سارعوا إلى طمأنة إسرائيل إلى سكون الجبهة الجنوبية.

الأرجح أن نصرالله كان يردّ على قوى "14 آذار" وكل قادتها الذين أكّدوا أن أحداً لن ينفرد بقرار الحرب في لبنان، وذلك من ضمن منطق "المشاركة"، التي لم تترك المعارضة شيئاً من تعطيل المؤسسات السياسية والدستورية إلا وفعلته لإقراره.

ولم يأبه "الأمين على الدماء" ـ على ما يناديه مناصروه ومشايعوه ـ لتأثير اتّهاماته على الإجتماع والسِلم الأهليَّين الباردين. فهو يفترض أن صوت المعركة في فلسطين يحمله على ما يفعله ورهطه وما يقولون. وإذا كانت حاله هذه ليست جديدة ويُسرع إليها في كل مرّة يعلن فيها المختلفون عنه رأياً أو موقفاً يخالف رأيه أو موقفه، فإنه لا يجهر بما قدّمته سوريا وإيران، الفخور بالتحالف معهما، إلى الفلسطينيين غير تعزيز الانشقاق بينهم.

كل آخر هو موضع اتّهام من جانب الأمين العام لـ"حزب الله". لا رأي سديدا إلا له وللأقرَبين منه من صنائع الوصاية السورية وبدائعها. وإذ يسكت عن استنكاف النظام السوري عن مقاتلة الإسرائيليين في الجولان وعدم قيامه بشيء غير إصدار بيانات التنديد، فإنه يدعو المصريين إلى التحرك على الأرض، مغفلاً أن استمراريّة الصراع العربي ـ الإسرائيلي صارت رهناً بما يتحقّق في المحافل الدولية، وليس في ما يتردّد من هتافات في الشوارع وعبر الخطابات المتلفزة.

لم يجد نصرالله حَرَجاً، في استثارته الجماهير المحتشدة في ذكرى إحياء العاشر من محرّم، من اكتفاء أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني سعيد جليلي بالإشادة بصمود الشعب الفلسطيني، وإعلانه من عاصمة "مخيّم الممانعة" دمشق بأن مباحثاته مع الجانب السوري تركّزت على "موضوعَين يحظيان بالاتفاق وهما على رأس التحرّكات والجهود الديبلوماسية الإيرانية، وهذان الموضوعان هما إيقاف العدوان وفكّ الحصار"، وهذا ما يتطابق إلى حدّ كبير مع ما تدعو إليه الدول العربية كمصر والسعوديّة.

فاستبعاد المسؤول الإيراني دخول بلاده و"حزب الله" في حرب مع إسرائيل على إثر ما يدور في فلسطين، وقوله "الشعب الفلسطيني في غزة بإمكانه الدفاع عن نفسه بشكل جيّد وما يحتاجه هو فكّ الحصار وإيقاف العدوان فحسب"، لا يعتبر لا "تآمراً" ولا "تواطؤاً" ولا "خيانة"، متى رُطّن به بالفارسية. ويصبح خطراً على القضية متى كان قائله عربياً. ثم من يطمئن إسرائيل ويتمتع بصدقية في هذا الأمر أكثر من جمهورية "ولاية الفقيه" الممتدة من إيران إلى لبنان، إلا الناطقين باسمها.

يضطلع نصرالله بتسويغ نهج سياسي قاطع يصلي جماعات الداخل، ويسعى في تسلّط جامح عليها، للحيلولة دون بلورة سعيها إلى حماية وطنها من همجيّة إسرائيل التي قطع اللبنانيون جميعاً في عدوانيتها وشراستها. فالفارق الذي ينهض عليه منطق الأمين العام لـ"حزب الله" يقوم على تقسيم الناس والقوى والحكومات بين "خوَنة متآمرين" وبين "مناضلين". فالخوَنة هم من يدّعون ويعملون لوقف الحرب الإسرائيلية وتأمين ممرّات إنسانية لدخول المساعدات، مع التشديد على العودة للبحث في إقامة الدولة الفلسطينية. أما المناضلون فهم من يدعون لصمود الفلسطينيين لإحصاء قتلاهم وجرحاهم وتعداد الأبنية المنهارة فوق رؤوسهم، والتفجّع أمام شاشات التلفزة على أقربائهم الذين قضوا في غارةٍ أو قصف عشوائي.

أن تسعى السياسة في مسالك وقف العدوان والحدّ من نهر الدم في غزة، فهذا أمر مشين لمن يقوم به ويتنكّبه، ذلك انه بحسب المنطق "الثوري" الذي يمثّله نصرالله ومن وراءه، لا يكون "الشرف" و"العزة" و"الكرامة" و"الوطنية" إلا متى فاض الدم أنهاراً هادرة. ووحده الدم الفلسطيني وأشلاء شعبه يعطيان "أوسمة" الوطنية، فيما كل المهم أن يبقى النظام السوري مستقراً، وأن يعثر نظام الملالي في طهران على سبيله إلى الأدوار الإقليمية.

السؤال الذي يجدر بالمرء أن يوجّهه إلى مَن يجيز لنفسه تصنيف الناس ومحاكمتهم: ما هي كميّة الدم التي يجب أن تسيل في شوارع غزّة حتى نتبيّن الفَرق بين ما قاله جليلي ونصرالله نفسه في ليالي عاشوراء وبين ما تسعى إليه الدول العربية عموماً ومصر والسعودية خصوصاً؟ وما هي "خطيئة" قوى "14 آذار" في تشديدها على أهمية الحفاظ على سلامة لبنان، طالما أن "أشرف" الناس في دمشق وطهران لا يطلبون غير العودة في غزّة إلى ما كان عليه الوضع، قبل انفجار الحقد الإسرائيلي؟ ثم متى يحق لنا أن نسأل رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" خالد مشعل عن مغزى "إسقاط التهدئة" من دمشق أو رفض "تمديدها"، أم أنه سيردّ "لو كنت أعلم لما فَعَلت"؟

ربما كان من الأجدى لهؤلاء "الخوَنة والمتآمرين" ـ على ما يسمّيهم نصرالله ـ أن يتشبّهوا بالسوريين والإيرانيين ويتاجروا بالأشلاء الفلسطينية، ويمتنعوا عن التحرك في المحافل الدولية للَجِم الدولة العبرية، وينصرفوا إلى الخطابة في الجماهير واستثارة مشاعرها بمناسبة أو بغيرها.

لكن عين نصر الله يتيمة لا ترى السوء إلا في غير حلفائه، حتى ولو كان حسناً، ولا ترى الحسن إلا من طهران، واستتباعاً دمشق، ولو كان مضرجاً بالسوء والتآمر والانتهازية.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل