التطورات الصاروخية في جنوب لبنان تنذر برحيل قوات اليونيفيل واصوات تندد بضعف القيادة
هل يسلم الجنوب اللبناني، واستطرادا لبنان بأسره، من تداعيات الزلزال الامني والتدميري الذي يضرب قطاع غزة؟ سؤال طرح نفسه مع بدايات الحرب على غزة، واتخذ منحى اكثر إلحاحا مع تطور الخطاب التصعيدي ل"حزب الله" وبعض الفصائل الفلسطينية من جهة، واسرائيل من جهة اخرى من السياق الكلامي الى التقاصف الصاروخي والمدفعي، وان اعتبر هذا التقاصف الذي جرى قبل ثلاثة ايام اقل من مستوى اشعال الجبهة اللبنانية – الاسرائيلية بحرب يبدو ان "حزب الله" واسرائيل على حد سواء يحاذران خوضها في توقيت له حساباته لدى كل فريق.
واذا كانت ازمة الصواريخ التي انطلقت من لبنان والرد المدفعي الاسرائيلي على الحادث قد عبرت من دون مضاعفات امنية وعسكرية خطيرة، فإن واقع الحال يشير الى ان المخاطر لاتزال قائمة لاسيما مع اكتشاف صواريخ جديدة يوم امس، حتى وان تردد انها "قديمة العهد" وغير صالحة للاستعمال، وهو الامر الذي يؤكد ان الساحة الجنوبية اللبنانية لاتزال تختزن الصواريخ التي يمكن استخدامها ضد اسرائيل وبالتالي فتح جبهة الجنوب على حرب مدمرة.
وفي سياق المستجدات على صعيد اكتشاف المزيد من الصواريخ في الجنوب، اعلن الجيش اللبناني امس انه "نتيجة للإجراءات الميدانية التي تنفذها وحداته بالتعاون مع قوات الامم المتحدة الموقتة في لبنان عثر في بلدة كفر حمام الواقعة في القطاع الشرقي لمنطقة جنوب الليطاني والمتاخمة لمنطقة مزارع شبعا على راجمة صواريخ من عشر فوهات مذخرة بصواريخ من عيار 107 ملم مغطاة بشادر داخل غرفة من الاسمنت، كما عثر في مستوعب مجاور على 24 صاروخا من العيار نفسه وجميعها قديمة العهد وغير صالحة للاستخدام".
هذه "التطورات الصاروخية" في الجنوب اللبناني طرحت مسألتين على جانب من الاهمية وتتعلقان بقوات "يونيفيل" الدولية، وتتلخص المسألة الاولى في الدور الذي تقوم به القوات الدولية في الجنوب اللبناني منذ ما بعد حرب تموز 2006 لاسيما لجهة ضبط منطقة جنوب الليطاني وتأمين عدم دخول السلاح غير الشرعي اليها واستخدامه ضد اسرائيل بما يتعارض مع مضمون القرار الدولي 1701.
وابدت مصادر برلمانية اوروبية استياءها من "الاجراءات الهشة لقيادة يونيفيل" للقيام بدورها في الجنوب اللبناني، وانتقدت الاخفاقات المستمرة لهذه القوات الدولية سواء في عدم قدرتها على حماية عناصرها ومواقعها التي استهدفت خلال الآونة الماضية, او لجهة عدم قدرتها على القيام بالدور المطلوب منها بدليل الخروقات التي شهدتها الساحة الجنوبية اللبنانية خلال الاسابيع الاخيرة.
المسألة الثانية المتعلقة بالقوات الدولية وتطورات الجنوب اللبناني تشير الى ان التطورات الامنية وتحركها باتجاه مخاطر حصول مواجهة في الجنوب دفعت بأصحاب القبعات الزرقاء الى تقليص سقف تحركهم ودورياتهم في منطقة عملهم وتجميع القسم الاكبر من قواتهم في منطقة الناقورة, وصولا الى شروع بعض الدول في سحب عناصرها, حيث اعلنت كوريا الجنوبية امس عن تعليق مهام قواتها العاملة ضمن "يونيفيل" وذلك في اعقاب ورود تقارير بحدوث سلسلة من تبادل القصف الصاروخي بين لبنان واسرائيل.
وعلى الرغم من تعليق عمل القوات الكورية التي لا يتجاوز عدد عناصرها 350 عنصرا يتمركزون قرب مدينة صور الجنوبية الساحلية، لكن ذلك يشكل مؤشرا على خطورة الخطوة التي قد تكون سابقة تسير على هديها الدول الاخرى المشاركة في قوات "يونيفيل"، لاسيما وان قادة عدد من تلك الدول سبق ان اعربوا عن رغبتهم في سحب قواتهم من جنوب لبنان في حال سلكت الامور اتجاهات التصعيد الامني على الحدود اللبنانية – الاسرائيلية, وهو ما تنذر به التطورات المتسارعة من القطاع الغربي للجنوب الذي كان مسرحا للصواريخ التي استهدفت اسرائيل قبل ثلاثة ايام الى القطاع الشرقي الذي اكتشفت فيه الصواريخ امس.
من جهة أخرى، فتحت عمليات اطلاق صواريخ كاتيوشا المتكررة على اسرائيل من مناطق عمل القوات الدولية في جنوب لبنان, ملف "يونيفيل" وقيادتها العسكرية واجهزتها الاستخبارية وتأثير وضعها تحت قيادة الجيش اللبناني، العيون عليها في لبنان وبدأت الاصوات ترتفع بالاسئلة حول "جدوى وجودها" في تلك المنطقة الاكثر سخونة في الشرق الاوسط المعرضة لادخال المنطقة في حروب مستمرة تنعكس على مجمل دولها وتضعها بين الحين والحين في فم الانفجار.
ونددت اوساط برلمانية في ايطاليا والمانيا واسبانيا وفرنسا وهي الدول الاوروبية الاربع الاوسع مساهمة في هذه القوات الدولية التي انشأتها الامم المتحدة بطلب من مجلس الامن الدولي للاشراف على تطبيق قراره 1701 في (يوليو) 2006 لوقف العمليات الحربية بين اسرائيل وحزب الله في لبنان وكذلك اوساط برلمانية في الكونغرس الاميركي ومجلس العموم البريطاني ب¯ "المواقف والاجراءات الهشة والضعيفة لقيادة يونيفيل", مشككة مرة اخرى ب¯ "اهلية" قائدها العام الايطالي الجنرال كلاوديو غراتسيانو" في ادارة عملياتها بنجاح "بعد الاخفاقات المستمرة التي مني بها في منع اطلاق الصواريخ على الجانب الاسرائيلي والحد من الخروقات الجوية الاسرائيلية للاجواء اللبنانية ما يدعو الامم المتحدة الى اعادة النظر في هذه القيادة برمتها ووجوب تغييرها واستبدالها بقادة اخرين اقوياء متمرسين يكونون قادرين على الاقل على كشف الجهات التي تطلق الصواريخ او تهاجم القوات الدولية عن طريق انشاء جهاز استخباري دولي تابع لهم يخلف الجهاز الراهن الذي اثبت عدم جدارته وكفاءته في القيام بمهماته نحو السهر على تطبيق دقيق للقرار 1701".
ونقل ديبلوماسي لبناني في برلين عن احد النواب الالمان استغرابه من "كيفية تمكن الارهابيين من نصب صواريخ مرتين متتاليتين تفصل بينهما ايام عشرة فقط على بعد كيلومتر واحد من مقر قيادة يونيفيل في الناقورة دون كشفهم في اثناء تسللهم او بعد وضعهم الصواريخ", متسائلا اين استخبارات غراتسيانو واستخبارات الجيش اللبناني واستخبارات الالوية العسكرية الاوروبية? وماذا يفعلون هناك؟".
وعزا احد نواب "الجمعية الوطنية" الفرنسية (البرلمان) هذا "التقصير المريب والخطير في كشف الارهابيين في مناطق عمليات القوات الدولية الى وضعها بموجب القرار 1701 تحت امرة الجيش اللبناني واستخباراته التي عجزت طوال السنوات الاربع الاخيرة عن اكتشاف مجرم واحد ممن ارتكبوا عمليات الاغتيال في صفوف القيادات اللبنانية, خصوصا في ظل مواقفها "المفرطة في الحيادية" على الساحة الداخلية التي شجعت جماعات ايران وسورية على الاعتداء على الجيش والدولة والمناطق المدنية الامنة في غياب اي حزم امني يدافع عن المواطنين العزل".
وذكر النائب الفرنسي في اتصال به من لندن امس ان "الدولة اللبنانية بجيشها واجهزتها الامنية مطالبة الان – والوقت مناسب جدا – بتنفيذ مقررات طاولة الحوار الاولى التي انعقدت عام 2006 وبالاخص القرار المتعلق بتجريد الفصائل الفلسطينية خارج المخيمات من اسلحتها بعدما اشارت كل اصابع الاتهام باطلاق الصواريخ على اسرائيل اول من امس الى الجبهة الشعبية – القيادة العامة بزعامة احمد جبريل المقيم في دمشق, اذ ان ذلك القرار الذي اتخذ بالاجماع يستهدف قواعده في جنوب بيروت (الناعمة) ومرتفعات البقاع الاوسط (قوسايا) بعدما كاد يتسبب اول من امس في استجلاب حرب اسرائيلية جديدة على لبنان".