حكاية بريئة الى درجة السذاجة من وحي 13 نيسان 1975.
كنا أطفالاً في الضيعة. ذات مساء عدنا الى البيت، ورأيت أبي وأصدقاء كثر يتسمّرون الى التلفزيون، الابيض والاسود بالتأكيد، وسعاد قاروط العشي كما أذكر، تتلو الاخبار مع مذيع آخر من ذاك الزمن، عرفات حجازي. بين السطر والسطر كنت أسمع دعاء الجميع بأن يوفّق الله “الكتائب” و”الاحرار” و”التنظيم” و”حراس الارز” والشباب وليلعن الفلسطينيين، أو بحسب ما أذكر، الفدائيين. أطفالا لم نفهم شيئاً، وبدأنا مذذاك اليوم نصلّي ببغائياً لينصر يسوع الكتائب والشباب. من هم هؤلاء؟ ماذا يفعلون؟ ما معنى الكتائب؟ كيف شكلهم، هم مثلنا أم أحسن منا بالتأكيد؟ وذات لحظة تخلّي سألت جدتي “شو يعني فلسطينيي وقديش لازم نكرهن؟” وانصبّ الجحيم على لسانها شتائم ولعنات على هؤلاء وفي النهاية نهرتني جدتي بعنف “اوعا تجيبي سيرتن هودي المجرمين”!! وبناء عليه عكفت كل يوم قبل انطلاق اللعب وبعد الدرس وما شابه، وتحت كرزات الحديقة، أتلو وأصدقائي البنات والصبيان خصوصاً، صلاة يومية مختصرة “يا رب تحمي الكتائب والشباب”!!
هو نيسان، فيه الكثير من حكايا بعض لبنان. كيف كان لنا أن نعرف يومذاك ان البوسطة التي فجّرت الشارع في بيروت، كادت لو قدّر لها، أن تمحو لبنان الكيان. لا يفهم الاطفال حروب الكبار، لكن عندما يكبرون ويأخذون خياراتهم، يعرفون أن كل تفصيل عَبَر بحياتهم وحياة الاخرين، رسم لهم درب المستقبل بطريقة أو بأخرى. اقتحمت بوسطة نيسان أخضر الارض المقدّسة وحوّلتها الى أرض ملعونة. وبدأ نيسان يعبر بآخر. عشرات السنين، احتلالات، ياسر عرفات، سوريا، اسرائيل، المنظمات المسلّحة ومرتزقة من ليبيا الى الصومال… وشهداء. حرب وراء أخرى وشهداء. المسيحيون علّقوا على آلاف الصلبان. دخل الشباب المدارس والجامعات تلاميذا، ليتركوها فجأة ويخرجوا منها مقاتلين وثوار. كان قرار الحرب أقوى من كل شيء، والا لمرّت عن جدّ طريق فلسطين من قلب جونيه.
أنظر الى صور البوسطة. أقرأ عن أول الشهداء، جوزف ابو عاصي، أمشي في نيسان بستان الشهادة وزهر القيامة. لا نعرف لو لم تمر تلك البوسطة ما اذا كانت ستعصف بنا الحرب، ربما كانت ستحصل انما بشرارة أخرى بالتأكيد. لكن ورغم الدم والدموع احب ما أراه. لا تتعجّبوا، في مكان ما سيكتب عنا التاريخ اننا صنعنا تاريخ لبنان. بالتأكيد فعلنا. ولو لم نفعل لكتب آخرون تاريخنا بغير حبر، ولاصبحنا خطا بقلم رصاص نُمّحى ساعة يشاؤون.
الاكيد ان الله يحبني، ويحب أمثالي أيضا! أو على الاقل هو راض عني، والا لما كان موقعي حيث أنا الآن، في القوات اللبنانية، أو بمعنى آخر، حيث تدرّجت المقاومة المسيحية وصولا الى 14 آذار. أنا اذاً في قلب الايمان. لم أحمل بارودة، لم يتسنّ لي الزمن، لكن لو كنت صبية ذاك الزمن لفعلتها بالتأكيد، ليس حبّا بالموت، لم نكن يوما هواة الحداد، انما شغفاً بالحياة، بالكرامة، بلبنان الرسالة، بذاك اللبنان الذي قيل عنه سويسرا الشرق ولم نتعرّف اليه بعد. كنت احب أن أحمل البارودة لادافع عن نيسان الزهر والقيامة، في وجه من اغتال الحلم وكل أحلام طفولتنا وشبابنا. فعلوها. اغتالوا الكثير فينا والكثير منّا. ولولا تلك البارودة التي لم أتشرّف بحملها يوما، لكان تخبزوا بالافراح ما كنا حتى نكتب الآن ما نكتبه. لكانوا اغتالوا السطور.
ما عدت أذكر ما حدث من تفاصيل بعد حادثة البوسطة، لكن وبعد مرور بضعة أشهر، وفي الغرفة نفسها تجمّع أصدقاء أبي، وتحلّقوا حول التلفزيون. كان الرعب ذهب بهم بعيدا وكانوا يتحدثون عن الجيش والخشية من انشقاقه أو ما شابه، وكانت أدبيات جديدة اخترقت عالمنا الصغير، مناوشات على محاور عين الرمانة – الشياح، قنص عند المتحف، متاريس وسواها، ارتشف ابي القهوة وارتخى الى مقعده، نظر الى اصدقائه وتنهّد: بلّشت الحرب بلبنان الله ينجّينا…
لو كنت يومذاك في عمر الصبا، وعاد التاريخ بي الى نفس الظروف، لحملت البارودة وودعت أبي، ولا أعرف ان كنت ساعود أم لا، لكني لو عدت لكنت الان أعيش فخر المقاومة، ونشوة الانتصار على الذات، وعلى كل من ادّعى وبكبرياء العالم، انه قادر على حرق لبنان، بينما احترق كثر مذذاك النيسان، والان آخرون يحترقون في آتون التجربة… مرعب الزمن…
لو كنت قبل العام 1975، لكنت أجهد بكل ما أتيت من قوة كما تجهد “القوات اللبنانية” وقوى “14 آذار” اليوم، لمنع تحويل لبنان صندوق رسائل إقليمية متفجرة، ومنع مرور طريق قصر المهاجرين في دمشق بعرسال أو طريق طهران بالطريق الجديدة، ومنع وضع خطوط حمر على الجيش اللبناني… ولكنت أضحي بأغلى ما لدي لـ”العبور الى الدولة” وإبعاد كأس إنهيارها عنا…

انك صحافية امتياز مقال رائع
ِشباب بعمر الورد تركوا حياتهم وعائلاتهم لتبقى هويتنا لبنانية …وليبقى لبنان..ليبقى لبنان ….
Wow! a truly moving article! Thank you! Agree 100% – I was born in 1984 and would have fought for the dream! God bless the LF, March 14, and the true loyal Lebanese poeple.
ALLAh ybarek fike set verra
لو كنت قبل العام 1975، لكنت أجهد بكل ما أتيت من قوة كما تجهد “القوات اللبنانية” وقوى “14 آذار” اليوم، لمنع تحويل لبنان صندوق رسائل إقليمية متفجرة، ومنع مرور طريق قصر المهاجرين في دمشق بعرسال أو طريق طهران بالطريق الجديدة، ومنع وضع خطوط حمر على الجيش اللبناني… ولكنت أضحي بأغلى ما لدي لـ”العبور الى الدولة” وإبعاد كأس إنهيارها عنا
ktiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiiir 7elo w ktir mazbout