نادرة هي المرّات التي يكون فيها رئيس حكومة مكلّف أمام مهمّة واضحة ، ومعطيات ثابتة ، كما هو الآن الرئيس تمّام سلام .
مهمّته إنتقاليّة لتحضير وإجراء الإنتخابات النيابيّة، ومعطياته تشكيلة حياديّة من شخصيّات غير منغمسة في الإصطفاف السياسي . وقد بدأ تسريب أسماء بعضها من الذين يمكن وصفهم بالمستقلّين أو الوسطيّين أو المعتدلين .
وقد كان سلام، منذ الإتّفاق على تكليفه، مدركاً طبيعة مهمّته ومعطياتها، فأكّد مراراً أنّه يريد حكومة غير موسّعة، من شخصيّات غير مرشّحة بدءاً بنفسه، وأنّه يرفض ترؤّس حكومة تمديد، ومستعدّ للإعتذار في حال تعذّر تشكيل حكومة إنتقاليّة لإجراء الإنتخابات .
هذا الوضوح في الرؤية، الذي يشاركه فيه رئيس الجمهوريّة ميشال سليمان، من شأنه الدفع نحو تشكيل سريع قد لا يتخطّى الأسبوع المقبل.
ولا يخفى أنّ ” حزب الله ” المصدوم بانهيار حكومته ” المثلى “، يبذل كلّ ما في وسعه كي يعرقل قيام حكومة حياديّة لا يملك القدرة على تفخيخها ونسفها ساعة يشاء، كما فعل بحكومة ” الوحدة الوطنيّة ” برئاسة سعد الحريري.
وأشدّ ما يُثير السخرية إرتفاع أصوات من ” 8 آذار ” منادية بحكومة ” توافق ” و ” وحدة وطنيّة ” و” شراكة وتوازن سياسي ” وثلاثيّة ” شعب وجيش ومقاومة ” و ” ثلث معطّل ” و تمثيل بحسب ” أحجام الكتل “، والتمسّك بحقائب معيّنة ك ” حقوق مكتسبة ” ..!
أين كانت مفاهيم الشراكة والتوازن والتوافق والوحدة والتمثيل والحقوق في حكومتهم ” العصماء “، وماذا تعني حكومة سياسيّة في حساباتهم ؟
لا أحد يجهل عمق الخيبة والإرتباك لدى فريق ” 8 آذار “، وليس سرّاً أنّ قدرته على فرض شروطه المسكوبيّة تلاشت أو كادت . وكلّ هذه العناوين التي استفاق عليها لم تعُدْ موجودة في حساب أحد سواه . وغفلة الزمن التي أتاحت له ذاك الحلم في تلك الحكومة ” النموذجيّة ” تحوّلت إلى يقظة سياسيّة واقعيّة ستظهر ترجمتها سريعاً.
والإختبار قريب : فإمّا حكومة عاقلة هادئة حياديّة إنتخابيّة إنتقاليّة، وإمّا إنكشاف النيّة الخفيّة لدى الفريق الخارج من الحكم في نسف الإنتخابات والتمديد المفتوح للحالة القائمة، بما يكتنف فراغها من إهتزازات وصدامات .
هذا الإختبار مسألة أيّام معدودة ، وأفقه الأبعد شهر ، قبل أن يدهم استحقاق المهل الجميع بين 15 و 19 أيار المقبل .
والأرجح أنّ الرئيس المكلّف لن يرتضي الدوران على نفسه فترة شهر كامل ، ولا يلعب لعبة علك الوقت كسلفه ، ولا ينوي تقديم تشكيلة بأيّ ثمن . وقد صَدَرَت عنه إشارات واضحة حول الحصريّة التي أناطها الدستور به وبرئيس الجمهوريّة في تشكيل الحكومة وإصدار مراسيمها .
أمرٌ جميل ومريح ، أن يسترجع الدستور أولويّته ، وأن تتذكّر السياسة زمنها الطيّب ، وتستعيد الديمقراطيّة دورتها . فمن كان يتوقّع انهيار قصر الرمل بهذه السرعة ، وبدء تنظيف ما علق بالدولة من أدران ، ومواجهة غلبة السلاح بسلاح الموقف ؟!
لا يعني ذلك أنّ فريق الإنقلاب تخلّى عن مشروعه ، أو أنّ السلاح أُعيد إلى صناديقه مهزوماً أمام صناديق الإقتراع ، بل يعني أنّ تغييراً ما قد حصل ، قد يكون غزل ” حزب الله ” بالسعوديّة أحد وجوهه ، والكلام عن بداية حوار مع ” المستقبل ” وجهاً مكمّلاً . وخلفيّة كلّ ذلك تبدّل ما في حسابات طهران ومساوماتها مع الغرب ، وبراغماتيّة روسيّة في التفاوض على رأس بشّار الأسد .
وفي أيّ حال ، اللبنانيّ المؤمن لا يُلدغ من الجحر نفسه مرّتيْن . وأخطاء النيّات الطيّبة تحت ال ” س- س ” والمبادرة التركيّة – القطريّة ليست مرشّحة للتكرار . وبالتأكيد ، حجّة شهود الزور وحركة ” القمصان السود ” غير قابلتيْن لإعادة الإنتاج ، ولا أيّ شيء آخر من القماشة نفسها .
المرحلة الطالعة ستكشف مدى عمق التغيير الهادىء الذي حصل، فما بعد رحيل حكومة القمصان ليس كما قبله . نحن في مرحلة أفول، ولو بطيء، لمنظومة حاولت تخريب كلّ ما هو جيّد ومشترك في لبنان، وكادت تفرض مشروعاً خطيراً عليه .
هذه المنظومة هي الآن أمام اختبار مزدوج : حكومة انتخابات ، أو فراغ يحلو لها السكن فيه .
خياران أحلاهما مرّ: الإنتخابات تُعيد الأحجام إلى الأجسام، والفراغ يلتهم أباليسه قبل سواهم .