أصرّ مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني على إجراء انتخابات المجلس الشرعي الأعلى أمس، على رغم عدم اكتمال النصاب القانوني، فأعلن فوز مرشحي المجلس بالتزكية في بيروت وصيدا وجبل لبنان.
بقيَ المفتي قباني على موقفه، فلم يمنعه لا قرار مجلس شورى الدولة الذي أكد عدم قانونية إجراء الانتخابات، ولا المقاطعة الكبيرة لأعضاء المجلس الشرعي المعارضين قراره، ولا توالي سحب الترشيحات تباعاً، كما لم يكترث إلى الكتاب الذي وجّهه إليه رئيس الحكومة المستقيل نجيب ميقاتي محذّراً من “النتائج السلبية التي ستترتب على هذا القرار، معتبراً أنّ “أي انتخاب سيكون باطلاً بطلاناً مطلقاً وهو ما لا ترتضيه دار الإفتاء ولن يحقق المصلحة العليا للطائفة”.
وعلى رغم عدم اكتمال النصاب القانوني، فقد أعلن المفتي فوز المرشّحين بالتزكية في بيروت وصيدا وجبل لبنان وحاصبيا وعكار… تزكية رفضها المحامي موفق الرواس، الذي فاز عن صيدا، فأعلن انسحابه من المجلس الشرعي المنتخب، معتبراً أنّ “الانتخابات غير صحيحة وغير قانونية وغير نظامية، لأنّ الدعوة إليها مطعون في قانونيّتها بقرار قضائي نهائي مبرم صدر عن مجلس الشورى”.
ومع تأكيد المفتي أنّ الانتخابات قائمة في طرابلس والبقاع، إلا أن المديرية العامة للأوقاف الإسلامية أصدرت بياناً لفتت فيه إلى عدم توافر نصاب الهيئة الناخبة في المنطقتين، على أن تجري انتخابات فرعية يعلن عنها قباني لاحقاً. وفي هذا الإطار، أفاد مندوبنا في الشمال أن الانتخابات تأجلت في طرابلس إلى موعد غير محدد لعدم اكتمال النصاب. فقد حضر نحو 20 شخصاً من أعضاء الهيئة الناخبة التي تشمل 138 ناخباً، إلى دار الفتوى في طرابلس صباحاً في إطار إتمام العملية الإنتخابية وفق الأصول ونزولاً عند دعوة المفتي قباني، وذلك لانتخاب 7 أعضاء من المرشحين لعضوية المجلس، وعليه عقدت الجلسة الأولى عند العاشرة في حضور 13 مرشحاً. وبما أن القانون يشترط توفير الثلثين لإجراء الانتخابات، فقد إعتبرت الجلسة غير قانونية لعدم اكتمال النصاب. وعند الحادية عشرة عقدت الجلسة الثانية التي تتطلب نصف عدد الأعضاء، لكن العدد لم يتوافر أيضاً فحُسمت النتيجة لصالح تأجيل العملية الانتخابية إلى أجل غير محدد.
وقد استدعت “الانتخابات موضوع الخلاف”، اجتماعاً لمعارضي قرار المفتي في منزل رئيس اللجنة الإدارية والمالية المهندس بسام برغوت – الصنائع بدعوة من نائب رئيس المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى الوزير السابق عمر مسقاوي الذي طالب رؤساء الوزراء باتخاذ القرارات الحاسمة في شأن ما يحصل ويصدر عن مفتي الجمهورية.
وقد أوضح برغوت لـ”الجمهورية” أنّ “الهيئة الناخبة في بيروت مؤلفة من 128 شخصاً، وبحسب القانون يجب أن يكون عدد الناخبين حتى العاشرة صباحا ثلثي الأعضاء وفي حال لم يكتمل النصاب، يجب أن يكون النصف زائداً واحداً عند الحادية عشرة”. من هنا ونظراً إلى عدم اكتمال النصاب أمس، أكد برغوت أنّ “الخطوة ليست قانونية، وسيكون لنا موقف، وجلسات مجلس الشرعي مفتوحة”، معلناً “التواصل مع رؤساء الحكومة حتى تتحسن الأوضاع القانونية، ويتم بالتالي إلغاء الانتخابات ووقف الهرطقة”.
وكشف عن لقاء سيعقد هذا الأسبوع مع رؤساء الحكومات يليه لقاء لرؤساء الحكومات يوم الأربعاء ومن ثم اجتماع للمجلس الشرعي”.
هذه الاجتماعات لن تغير في مواقف أي من الفريقين، وهذا ما أكده المدير العام للأوقاف الإسلامية الشيخ هشام خليفة، قال لـ”الجمهورية” إنّ “وجهة نظرهم لا تزال قائمة ووجهة نظرنا مختلفة ومناقضة”، نافياً علمه بوجود سبب موجب لإلغاء الانتخابات.
وإذ اعتبر أنّ خطوة المعارضين تشكل “ردّ فعل طبيعياً علما أنه كان من المفترض فتح صفحة جديدة بناء على دعوة مفتي الجمهورية الإيجابية وكنا نتمنى لو تلقفت بإيجابية”، لفت إلى أنّ “رد الفعل كان قاسياً، والانتخابات قلنا ولا نزال نقول إنها شرعية، والقانون ينص على أنّ أي دائرة أو محافظة لا يتوافر فيها عدد المرشحين الزائد عن المطلوب يفوز بالتزكية”.
وعن الانسحابات بعد التزكية، قال: “لم يبلغني الأمر وهي ممكنة، فإذا فاز احدهم وانسحب لاحقاً، يجب إجراء انتخابات فرعية لشغل المركز”، متمنياً أن “تتّجه الأمور كما أمِل المفتي قباني الى الحلحلة وفتح صفحة جديدة من التوافق والتفاهم على أساس تعامل جديد يضمن وحدة الرأي والموقف”.
وقد أدّت الاتصالات السياسية التي جرت على أكثر من مستوى في طرابلس إن لجهة سحب بعض الترشيحات، أو لعدم مشاركة الهيئة الناخبة حضوراً وتصويتاً، إلى إنسحاب أغلب المرشحين، ما جعل احتمال تمرير الانتخابات بعدد من الفائزين بالتزكية لاحتلال المناصب الـ 7 المخصصة لطرابلس والضنية والمنية والكورة أمراً مستحيلاً.
وكان المفتي قباني قد وصل الى دار الفتوى عند العاشرة قبل الظهر، معلناً أنه “يوم الأخوة، يوم المحبة، يوم الوحدة، وحدة المسلمين خصوصاً واللبنانيين عموماً. اليوم يوم الرحمة، يوم المرحمة، بعد هذا اليوم لن يكون هناك خلاف”.
وأكد قباني أنّ “يدنا ممدودة لنتّفق ونتّحد لأنّ الأخطار كبيرة على المنطقة، وخصوصاً على لبنان، والذي لم يدرك بعد ستريه الأيام، لبنان في خطر، ونحن لسنا ضد احد. نحن لسنا فريقاً، نحن نريد الجميع ونحب الجميع. نحن لا ننازع أحداً، لكن البعض ينازعنا. ولكن لا يجوز بعد اليوم أن يرتفع إلا صوت الوحدة والاتحاد والوفاق والأخوة والمحبة، والشرعية تخرج من هنا، من دار الفتوى”.
وإذ لم ينكر وجود خلافات سياسية، لافتاً إلى أنّ “البعض يتعاملون مع دار الفتوى وانتخابات المجلس الشرعي حسب أهوائهم ومصالحهم السياسية”، شدد على أنّ “الانتخابات عمل إجرائي”، وهي “انتخابات شرعية، وأنا لن اسمع الى أي كان، مجلس الشورى أعطى رأياً بتعليق الانتخاب، ولكنه لم يصدر قراراً”.
ومحاطاً بالرئيس سليم الحص وبعض أعضاء الهيئة الناخبة في بيروت وكاتب عدل بيروت عدنان الحسامي وعلماء، أعلن قباني عن فوز أعضاء في المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى بالتزكية، وهم:
– في محافظة بيروت: هاني عبد الرؤوف قباني، سعد الدين رياض عانوتي، عمر وفيق طرباه، زهير إبراهيم الخطيب، محمد عبد القادر سنو، محمد ربيع توفيق قاطرجي، زكريا يحيى الكعكي وعدنان أحمد بدر.
– في قضاءي حاصبيا ومرجعيون: حاتم محمد طه.
– في مدينة صيدا: أحمد محيي الدين نصار، محمد موفق إبراهيم الرواس، وطلال ماجد المجذوب.
– في محافظة جبل لبنان: بلال علي فخر الدين، ومصطفى بشير بنبوك
– في قضاء عكار: بلال أحمد الرفاعي.
وأوضح قباني: “بما أن العدد المطلوب من المرشحين لعضوية المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى عن بعض المناطق قد تحقّق، وبما أنه قد تبيّن بعد انسحاب عدد من المرشحين في بعض المناطق أنه لم يبق سوى عدد المرشحين المطلوبين للمنطقة المعنية، نعلن الفوز بالتزكية في عضوية المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى من دون حاجة لإجراء انتخابات في محافظات بيروت وصيدا وجبل لبنان وحاصبيا وعكار. والانتخابات جارية إن شاء الله تعالى فقط في البقاع وطرابلس”.
ورأى قباني أنّ “المناسبة تاريخية”، وقد جاءت النتيجة “ديموقراطية وبكل هدوء وأمن وأمان”، معلناً “مدّ يدي الى جميع أصحاب الدولة، والى أخواني أعضاء المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى السابق، وان شاء الله سنعمل معاً، من في داخل المجلس ومن في خارجه لأننا كلنا عاملون”.
مسقاوي
من جهته، أعلن مسقاوي بعد لقاء تشاوري لعددٍ من أعضاء المجلس:
1 – فوجئ المراقبون للانتخابات التي دعا إليها مفتي الجمهورية صباح اليوم (أمس) وقبل حضور أعضاء الهيئة الناخبة واكتمال النصاب القانوني وهو ثلثا الأعضاء، عن الفوز بالتزكية بين المرشحين، وبدا كأنما هو مجرَّد إشاعة عند الذين يراقبون الإنتخابات وهو الإعلان عن نتيجة انتخابات يفترض أن تتوافر فيها ولو شكلياً بعض الأصول التي تقضي بها القوانين، ومنها الإعلان عن نتيجة الانتخاب بحضور جلسةٍ اكتمل فيها النصاب.
هذا يدل على إفلاسٍ في توفير النصاب القانوني ولو شكلاً، حيث لم يتوفر هذا النصاب في سائر هذه الانتخابات التي أعلن فيها عبر وسائل الإعلام عما سمّي بفوز مرشحين في باكرٍ من الصباح بحيث أن المكلفين من المفتي بالإشراف على هذه الانتخابات سمعوا بتزكية الفوز عبر وسائل الإعلام.
2 – يتوجَّه المجتمعون إلى المرشحين المنسحبين والهيئات الناخبة في بيروت وجبل لبنان وصيدا وحاصبيا ومرجعيون والبقاع والشمال وعكار بالتقدير لمقاطعتهم الانتخابات، لحرصهم على وحدة المسلمين السنَّة في لبنان واحترامهم القرارات القضائية الملزمة والأحكام القانونية.
3 – يؤكد المجتمعون إزاء الوضع الخطير الذي بات يهدِّد مصير مؤسساتنا ووحدتنا الإسلامية، ضرورة اتخاذ الإجراءات والتدابير القانونية المناسبة لوضع حدٍّ لاستباحة المؤسسات والقوانين، وأنّ المجلس سيكون في حال انعقادٍ دائم، ويطالب رؤساء الوزراء باتخاذ القرارات الحاسمة بشأن ما يحصل ويصدر عن مفتي الجمهورية.
ورداً على سؤال، أكد مسقاوي “أننا لن نصل الى مجلسين، لأننا نعتبر أنّ المجلس الشرعي قائم، وهذا الأمر متروك الى أن تؤخذ فيه مواقف حاسمة في هذا الإطار، كما وعدنا من أصحاب الدولة الذين هم مستاؤون. هذا الامر لا يحتاج بعد الى اجتهاد قانوني أو كما سمعنا اليوم إلى مجلس الشورى، المفتي يعطي رأيا وكأنّ القاضي لا يعطي عادة رأياً بل قراراً”.