وحدة الموقف والممارسة.. في لبنان كما في فلسطين
أيا كان الفاعل، لبنانيا أو فلسطينيا أو…، في مغامرة اطلاق صواريخ الكاتيوشا من الجنوب اللبناني باتجاه اسرائيل، فالغاية هي اظهار "تضامن" من نوع ما مع الشعب الفلسطيني الذي يذبح بوحشية في قطاع غزة، وتوجيه "رسالة" من نوع ما كذلك الى العدو الاسرائيلي ضد حربه البربرية على القطاع. والغاية، أكثر من ذلك، هي محاولة القول للآخرين في العالم وفي المنطقة ـ بمن في ذلك اللبنانيون أنفسهم ـ أن جنوب لبنان ما يزال "منطقة عمليات" بالرغم من كل ما شهده منذ العدوان الاسرائيلي العام 2006 بما في ذلك قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1701 وانتشار عشرات الآلاف من جنود الجيش اللبناني وقوات " اليونيفيل " المعززة فيه. بل أكثر من ذلك، فليس من دون دلالة أن يذهب "حزب الله" على لسان أمينه العام السيد حسن نصرالله الى اعتبار مجموعة صواريخ الكاتيوشا الأولى، التي كشفت قبل اطلاقها، مشبوهة ومن فعل عملاء اسرائيل في لبنان، ثم أن يرحب بعض مسؤوليه (ولو لم يتبنوا) بالمجموعة الثانية التي أطلقت من المنطقة نفسها تقريبا وأدت الى رد العدو بوابل من الصواريخ على الأراضي اللبنانية.
كان لا بد من هذه المقدمة، ومرة أخرى أيا كان الفاعل في الحالين، للذهاب منها الى القول أن ما ينقذ لبنان من التورط في "تجربة" مرة جديدة، فيما لم يتعاف بعد من تداعيات التجربة المرة السابقة، هو وحدة بنيه ومكوناته السياسية والفكرية والطائفية والاجتماعية، تماما كما هو الحال بالنسبة للشعب الفلسطيني الذي يبدو جليا الآن أنه يعاني من المشكلات اللبنانية اياها… وبالذات منها مشكلة غياب وحدة الموقف (.. ووحدة الممارسة كذلك) في مواجهة التحديات المصيرية والبالغة الخطورة التي تنتظرهما كما تنتظر المنطقة كلها.
في الشأن الأول، وحدة الموقف، كان بيان مجلس الوزراء ثم ما أعلنه رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان عن رفض لبنان تلقي أوامر من أي كان حول فتح أو عدم فتح جبهته الجنوبية، اشارة "تطمين" الى اللبنانيين من جهة، و"تحذير" الى من يتلطى خلف لبنان لشن حروبه الخاصة من جهة أخرى، لجهة الموقف السياسي الواحد الذي يحتاجه لبنان والذي لا مفر منه في هذه المرحلة.
أما ما يبقى، ومجددا أيا كان الفاعل في مغامرة الصواريخ، فهو وحدة الفعل والممارسة على أرض الواقع. ذلك أنه ليس من المبالغة في شيء، بدليل ما عاشته قرى ومدن الجنوب عقب انطلاق الصواريخ، اعتبار ان ما يخشاه اللبنانيون فعلا هو أن تكون وحدة الموقف هذه مجرد موقف عابر أو مؤقت.
يجسد هذا الفارق، في كل حال، ما يجري على أرض غزة، بل وعلى أرض فلسطين كلها، من الزاوية اياها : زاوية وحدة الموقف ووحدة الممارسة العملية على الأرض. اذ لا خلاف بين حركتي "فتح" و"حماس"، ولا بينهما وبين أي فصيل فلسطيني آخر، عندما يتعلق الأمر بوحدة الموقف من العدو الاسرائيلي ومخططاته ضد الشعب الفلسطيني وحقه المشروع في اقامة دولته المستقلة. الخلاف الأساسي، حتى وان لم يكن الوحيد (لندع الصراع على السلطة جانبا الآن)، هو حول أسلوب مواجهة هذا العدو، أي وحدة الممارسة على الأرض. ولعله لا جديد في القول أن هذا الخلاف هو أحد تجليات الحريق المريع الذي نتعرض له غزة في هذه الآونة، بل لعله ليس جديدا كذلك القول أنه لم يكن ممكنا اشعال الحريق في حد ذاته لو لم يكن هذا الخلاف قائما.
وانعاشا للذاكرة فقط، فالمخضرمون من اللبنانيين، مثلهم مثل مجايليهم من الفلسطينيين، لا شك يتذكرون دقائق المعركة الواسعة، السياسية تارة والدامية تارة أخرى، التي خاضها قائد الثورة الفلسطينية ياسر عرفات من أجل "القرار الوطني الفلسطيني المستقل" سواء قبل خروجه من بيروت أو بعد خروجه منها.
فقد وجد عرفات حوله، تحت اسم الثورة وحتى داخل منظمة التحرير اياها، عددا من الفصائل "الفلسطينية" التي تتلقى تعليماتها من الأنظمة العربية ولا هم لها سوى خدمة هذه الأنظمة بما في ذلك في حروبها في ما بينها. ومع أنه رحمه الله كان، بأسلوبه الذي بات معروفا من الكل وبقدراته الشخصية المميزة، قادرا في الغالب على حفظ وحدة المنظمة وان لم يتمكن الا بعد جهود هائلة، ساعدته فيها بعض الدول العربية التي لم تدخل في بازار "الفصائل الفلسطينية"، من انتزاع ما وصف يومها بانجازه الأكبر: اعلان منظمة التحرير "الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني" والى جانبه "القرار الوطني الفلسطيني المستقل".
الا أن عرفات، بالرغم من ذلك، ومع اتهامه بأنه جرد القضية الفلسطينية من كونها "قضية العرب الأولى"، لم يسلم من عمليات التدخل في شؤون المنظمة وفي التلاعب بوحدة فصائلها ـ بما في ذلك "فتح" نفسها ـ التي لاحقته الى ما بعد خروجه من عمان ثم من بيروت وحتى الى ما بعد عودته الى الضفة الغربية.
ويعرف اللبنانيون، مثل غيرهم من الفلسطينيين، أن بعض الفصائل "المصنوعة" لم يكن عدد اعضائها يتجاوز أصابع اليد الواحدة.
أليست معركة عرفات ذاتها هذه هي أحد تجليات ما يشهده قطاع غزة حاليا؟!، وأليس صنف التدخلات ذاته (بل الأخطر منه بكثير) هو ما يعصف بالقضية الفلسطينية كلها الى حد أن أحد قادة "المحافظين الجدد" في الولايات المتحدة، جون بولتون، بات يتحدث علنا الآن عن ضم قطاع غزة الى مصر والضفة الغربية الى الأردن؟!.
في لبنان، كما في فلسطين، يتأكد مجددا الأن وحدة الموقف ووحدة الممارسة على الأرض هي الرافعة الوحيدة التي يمكن للشعبين عبرها ليس مواجهة التحديات الخطيرة والمصيرية أمامهما فقط، بل وافشالها والانتصارعليها كذلك.
ومن نافل القول، هنا وهناك كما في أي موقع يتعرض لتحديات ومخاطر مماثلة في العالم، أن المدخل الأول والوحيد لهذه الوحدة هو منع التدخلات (حتى لا نقول الاملاءات) من خارج مصالح الشعبين وقراراتهما المستقلة.
ومن نافل القول أيضا أن الحديث هنا ليس عن فرض حظر على مساعدات الخارج للفصائل، فكل دعم يجب أن يكون مرحبا به، وانما هو عن الحاجة الماسة للحيلولة دون ما بات واضحا للعيان من التدخلات (بل الاملاءات) في القضايا الداخلية، وحتى في الاستراتيجيات البعيدة والمتوسطة المدى، لهذه الفصائل.