عندما اندلعت الحرب العراقية – الإيرانية بدت ثلاثة أبعاد وكأنها متداخلة، أو بالأحرى متسلسلة. من جهة، البعد القومي – العرقي للنزاع : عرب – فرس. ومن جهة البعد المذهبي له: سنة – شيعة. ومن جهة ثالثة، البعد الأيديولوجي: العقيدة البعثية في مواجهة العقيدة الخمينية. كانت الحرب كارثية بشتى المقاييس، وهي تتحمّل مسؤولية كثيرة في ترجيح التطوّر المرضي والظلامي والشوفيني للثورة الإيرانية، كما في إفقاد صدام حسين كل ضوابط أثناءها وكلّ صواب بعدها، لكنها كانت تقوم على ثلاثية “عربي سني بعثي” في مقابل ثلاثية “فارسي شيعي خميني”، بصرف النظر عن المصداقية الواقعية أو الانسجام التاريخي لهاتين الثلاثيتين، ومع التشديد أيضاً على أن الطبيعة الأقلوية “العرب سنية” لمركز النظام البعثي في العراق لم تكن، أقله في تلك المرحلة، بنفس وضوح وعصبية الطبيعة الأقلوية “العلوية” لمركز النظام البعثي في سوريا، حيث نجحت الغلبة الفئوية المذهبية في العراق بإدغام نفسها بحاسّة المواجهة العرقية، العربية، لـ”الآريين” من فرس وكرد.
أما في المواجهة الحادثة اليوم على الأرض السورية، بين الثورة السورية بمختلف وجوهها، وبين النظام البعثي المحتضر وحرب التدخل الإيرانية التي تخاض إلى جانبه، سواء بمشاركة مباشرة من النخبة “الباسدرانية” أو بواسطة مسلحة من “حزب الله” اللبناني ومجموعات عراقية، فهذه المواجهة تقوم أساساً على تركيبات مختلفة تماماً عن ثلاثيتي الحرب العراقية – الايرانية المشار إليهما.
هنا، النظام الذي يسوّق لنفسه على أنه حامي “العلمانية” الأخير في الشرق، يستعين بالنظام الثيوقراطي شبه الوحيد في عالم اليوم بهذا الشكل. العقيدة البعثية التي لم تختلف في سوريا عنها في العراق لجهة معاداتها العنصرية للفارسية والشعوبية، والتي لم تتوقف عن الإيعاز بتصوير المسلسلات التلفزيونية عن أمجاد آل أمية طيلة حكم آل الأسد، بفرعيهما الدمشقي كما القرطبي، إنما تجد نفسها تابعة، سواء اضطرارياً، أو استشعاراً بالقربى المذهبية – الأسطورية، للاحتماء وراء عقيدة ولاية الفقيه المطلقة الإيرانية، التي تعني في نهاية الأمر أن إيران الجمهورية الإسلامية هي مستودع الحقيقة الكونية في العالم. أما في البعد المذهبي، فإن النظام الذي كان يعتبر أن إبراز أي كان لطبيعته الأقلوية هو خطيئة لا تغتفر، كما لو أن هذه الطبيعة الأقلوية يجب أن تبقى “سرّاً يعلمه الجميع ولا يبوح به أحد” كي تستمر طويلاً، إذ به اليوم يكشف هذه الطبيعة الأقلوية بشكل طاووسي، كما لو أن بشار الأسد سليل التجربة البعثية النافية لأي حق في التعددية، سواء السياسية أو الاجتماعية أو الإثنية أو اللسانية، داخل الأمة، صار اليوم يقاتل بالنيابة عن حقوق كل الأقليات النادرة والفريدة في عالم اليوم، وتحت شعار من قبيل “يا أقليات العالم اتحدي!”.
هناك شيء بدأ يوم شنّ صدّام حسين الحرب على إيران له أن ينتهي يوم تحشر العقيدتان الممانعتان، الباسدرانية كما البعثية، في مقبرة أيديولوجية واحدة، بفعل بطولات السوريين. فمهما كان منسوب الأسلمة في الثورة السورية، ومهما تأخّر أيضاً النسف العميق للآثار البعثية في الذات السورية بعمومها، بل وفي الشخصية السورية، فردية وجماعية، ومهما اشتدت النعرة المذهبية بفضل تداخل مشاهدها على امتداد المنطقة، والاستعادة التحريضية لكل موروثات كره وإلغاء وتكفير وتنجيس الآخر، يبقى أن الثورة السورية تصحّح الخطأ الصدّامي: هي لا تقاتل إيران لا من موقع عرقي ولا من موقع أيديولوجي بعثي، بل تقاتل إيران التي تستبيح سوريا، إنجاداً لنظام ما زال يصرّ على أنه يخوض معركة القومية العربية بوجه الإسلام السياسي.
يوم أطلق صدام حربه على إيران دخلت الأخيرة في نغمة أنها حرب “مفروضة” ثم إنها “دفاع مقدّس” ولم يتعرّض نظامها الخميني للاهتزاز بعد الهزيمة طالما هو وجد ضالته في معادلة من قبيل “كل السلطة للشهداء – يمارسها الأحياء منهم”. لا يمكن لأحد أن يتكهن ما كان مستقبل الثورة الإيرانية لو أن صدام حسين لم يشن حربه الكارثية عليها، كما لا يمكن لأحد أن يتكهن ما كان مستقبل نظامها بعد هذه الحرب لو أن صدام لم يمض بنفسه إلى الهزيمة الكبرى، بعد غزو الكويت، ومن بعدها سلسلة المغانم التي كسبتها طهران ليس أبداً لفضل من أفضال نظامها، بل لتداعيات أيلول والاحتلال الأميركي لأفغانستان والعراق وانهيار عملية السلام في الشرق الأوسط، وربما كان النجاح الإيراني الإقليمي اليتيم غير المحصّل بالصدفة هو في تجربة “حزب الله”.
لكنّ النظام الإيراني اليوم يضحّي بـ”حزب الله” كتجربة – ناجحة بالنسبة له – في الحرب السورية. في الثورة السورية، يبدو كل من “حزب الله” و”جبهة النصرة” تشكيلان متقاربان، ولو أنهما تباينا ميدانياً وأيديولوجياً ومذهبياً، إلا أن ما يجمعهما هو محاولة إدخال نفسيهما عنوة إلى أصل المشهد، بواجب “جهادي” من هذا يقابل الواجب “الجهادي” لذاك. هذا يسمّى، التضحية الاستراتيجية بـ”حزب الله”. على الصعيد الميداني، الحزب يعترض طريق السوريين نحو الحرية. على الصعيد المنطقي، هو يحرّر ثورتهم من الحمولة “الجهادية الزائدة” والنظام السوري من الادعاء “التنويري” الكاذب. هو أيضاً يمارس الجهاد العابر للحدود، جهاد “لمّ الشمل”.