كتب المحرر السياسي في صحيفة “اللواء” :
بين لاءات الرئيس المكلف تمام سلام المندرجة ضمن شعار «المصلحة الوطنية» اولاً وحسابات القوى السياسية المتأرجحة بين التكتيك والاستراتيجي، تترنح عملية التزليف، وتنمو هنا وهناك اسئلة تحمل في طياتها مخاوف ورجاءات على ان السمة العامة لها هو الانتظار والترقب.
وفي تفاصيل الصورة:
1- الرئيس المكلف الذي شكل نقطة التقاء بين قوى 8 آذار المنهكة من الحكومة الاحادية والتي خرجت خائبة من تجربتها مع الرئيس نجيب ميقاتي، و14 آذار الطامحة الى اعادة تصحيح الميزان الحكومي بما يمنع الانفراد، ويعيد انتاج شراكة تعيد بدورها الاعتبار لمسار الانفراج بدلاً من مسار الانفجار، يتصرف مع دخوله الاسبوع الثالث على التكليف رسمياً بطول بال وصبر وتفكر بكل كلمة وخطوة، وهو وحده يرجح هذا الخيار او ذاك، في ضوء تقلبات المعادلات، وطبيعة الموقع الذي انتقل اليه بقوة الضرورات الوطنية، والحاجة بنقل البلاد الى مرحلة جديدة تبدأ باجراء انتخابات نيابية وتنتهي بتداول آخر للسلطة بحكومة ما بعد الانتخابات.
بقيت لا كبيرة مرفوعة على صعيد رفض تطويب الحقائب لهذا الفريق او ذاك، او لهذه الطائفة او تلك، وبقي الرئيس المكلف ايضاً على لا للدخول في بازارات التوزير او الاستفزاز او الاستبعاد.
الا ان التنحي لم يسقط من الحسابات مع انتصاب مطالب يومية لفريق 8 آذار، وما قاله امام وفد جمعية الصناعيين الذي زاره في دارته في المصيطبة: «اذا شعرت بوجود ثقالات وعقبات في مسألة التأليف فسأتنحى، ولست مقيداً لأحد ولم اعط اي ضمانات لأي أحد آخر».
لكن سؤالاً تثيره مصادره: اتصل به الرئيس نبيه بري، ثم اوقف الاتصالات فما السر في ذلك، هل هو ورقة حفظ ام ترك الرئيس المكلف لقدره؟
في هذه الاجواء الثقيلة، تلقى الرئيس سلام اتصالاً من النائب وليد جنبلاط الذي كان أوفد الوزير وائل ابو فاعور الى كل من بعبدا وعين التينة، وجرى التداول في ما يجب فعله، وفقاً للمصادر المقربة من زعيم المختارة.
2- على الجهة الرئاسية ايضاً، تراقب اوساط بعبدا الموقف، الرئيس ميشال سليمان لا يريد ان يضع – كما يقال – «بيضاته في سلة واحدة»، فهو يدعم مهمة الرئيس المكلف ولا يقترب من فرض املاءات عليه، بل مشاورات واقتراحات، ومن بينها، كما تشير مصادر بعبدا، الذهاب الى تمثيل القوى السياسية بوزراء غير سياسيين واسناد الحقائب الخدماتية إلى وزراء من التكنوقراط، وتكون الحكومة «بوليتكنوقراط».
وإذا كان الرئيس سليمان يحرص على إبقاء الخط مفتوحاً مع النائب جنبلاط، والابتعاد عن الاشتباك مع الثنائي الشيعي، فان الحرارة مع عين التينة والمصيطبة تكاد تكون شبه غائبة.
3 – اما في عين التينة، فالرئيس نبيه برّي ينتظر بدوره التبدلات الميدانية على الجبهة السورية، ويتابع بطريقة «ميكروسكوبية» ما تدلي به الكتل في اجتماعات لجنة التواصل، وخارج المنابر البرلمانية، ويتكلم مع الرئيس المكلف ومع رئيس الجمهورية عبر «فلاشات» إعلامية تُكرّس القطيعة، ولا تقدّم شيئاً في مجال الاقتراب من التأليف.
وتكاد الأوساط السياسية تقترب من التيقن أن القناة الجنبلاطية هي وحدها التي تمر عبرها الرسائل الرئاسية بين بعبدا وعين التينة، وعين التينة – المصيطبة وبالعكس.
وتنفي أوساط رئيس المجلس الربط بين الحكومة وقانون الانتخاب، لكن مسار الوقائع يدحض هذا النفي، وما نقل عن لسان النائب علي حسن خليل، عبر «تويتر» يؤكد على هذا المنحى، اذ غرد قائلاً «علينا أن نبني على ما تمّ التوافق عليه في لقاء بكركي، وفي لجنة التواصل النيابية، حتى نتوصل إلى إقرار قانون جديد»، وإن كانت أوساط اشتراكية نقلت للرئيس المكلف «اجواء مريحة» من عين التينة.
4 – وعلى جبهة 8 آذار، لا يخفي اللاعب الأبرز داخل هذا الفريق، أي «حزب الله»، أن قانون الانتخاب يُشكّل مرتكزاً اساسياً بتشكيل الحكومة.
وتستدرك الأوساط القريبة من قيادات الحزب أن هذا التشكيل، إذا ما تمّ، قد لا يعني بالضرورة إقرار قانون انتخابي او اجراء الانتخابات.
ومع أن الحزب يعطي الأولوية لإعادة تبدل موازين القوى ميدانياً على الجبهة السورية (معركة القصير مثالاً) ويشعر بارتياح لما تحقق من «انتصارات»، يتمسك بتبريد الوضع ولا يرغب بأي خربطة داخلية تستنزف شيئاً من قدراته المصوبة باتجاه الداخل السوري.
وعليه، سارع وزير الحزب في الحكومة المستقيلة محمّد فنيش إلى نفي عرقلة مهمة الرئيس المكلف، ولم يتوان نائب الحزب في لجنة التواصل علي فياض عن الوقوف وراء توافق مسيحي على قانون الانتخاب، من دون أن يعني ذلك حشر أي أحد في الزاوية، حسب ما أوضح لـ «اللواء».
إلا أن المعلومات تؤكد، استناداً إلى مصدر نيابي، أن تعذر التوصّل إلى قانون انتخابي، يعني العودة إلى طرح الارثوذكسي على التصويت، وحينها «يمشي المشروع اللي بدو يمشي».
5- يُدرك النائب جنبلاط أن اقترابه من تيار «المستقبل»، على خلفية الالتقاء عند قانون الانتخاب لم يُبعده عن حزب الله أو الثنائي الشيعي كما يسميه (أمل وحزب الله) في ملف الحكومة، فهو كان واضحاً عندما لفت نظر الرئيس المكلف إلى أن البلاد تحتاج إلى تشكيلة مريحة، يرضى عنها الثنائي الشيعي.
وفي ضوء حركة الوزير أبو فاعور بين بعبدا وعين التينة، أكدت المصادر المقربة من جبهة النضال أن ثغرة في جدار التأليف الحكومي المسدود بدأت تفتح، معربة عن ارتياحها لمسار المشاورات، وأن الأمور ليست مقفلة أو معلقة أو حتى سوداوية، على حدّ تعبير أبو فاعور، وأنه في الإمكان المواءمة بين المنطق الدستوري الذي يتمسك به الرئيس المكلف ومطالب التمثيل السياسي.
6- أما الفريق المسيحي بشقّيه: التيار العوني والكتائب و«القوات اللبنانية»، فلا يضيره انتظار التأليف، ولا التأخير، ويهمّه الرهانات الكبرى، وهي هنا قانون الانتخاب أكثر من الحكومة، استناداً إلى أن هذا القانون هو الذي يجب أن يؤمّن التمثيل الصحيح للمسيحيين والمناصفة الحقيقية التي يطمح إليها.
لكن الافتراق في هذا الفريق، يبدأ من النظرة إلى الحكومة، فالتيار العوني مستمر في الاعتراض على وظيفة الحكومة بالاشراف على الانتخابات، ويتساءل عن مصير الحكومة في حال لم يتم الاتفاق على قانون الانتخاب، في حين ترى الكتائب و«القوات» العكس، ويميل التيار في هذا السياق إلى استمرار حكومة الرئيس ميقاتي في تصريف الأعمال إلى أبعد مدى ممكن، ولا بأس في هذه الحالة من اتخاذ قرارات على حدّ ما فعل وزير الطاقة جبران باسيل في القرار الذي اتخذه بالنسبة لتشكيل هيئة الاشراف على الغاز، وفقاً لما كشفته «اللواء» أمس، وهو الأمر الذي دفع الرئيس ميقاتي إلى إصدار تعميم طلب بموجبه من الوزراء حصر ممارسة صلاحياتهم خلال فترة تصريف أعمال إداراتهم في نطاق الأعمال الإدارية العادية بالمعنى الضيق المنصوص عليه في البند 2 من المادة 64 من الدستور، وكلّف كلاً من التفتيش المركزي وديوان المحاسبة العمل لاتخاذ ما يلزم لحسن التقيّد بمضمون هذا التعميم.
7- في المقابل، تبدو كتلة «المستقبل» مرتاحة إلى مسار عملية تأليف الحكومة، وإن بقيت متوجسة من إمكانية تعثّر التفاهم على قانون الانتخاب، وهي بالطبع، لا تتفاجأ إذا لم يحصل هذا التفاهم، وبالتالي لم تجر الانتخابات في موعدها، ولم تتألف الحكومة السلامية، وتضع في حساباتها ان فريق 8 آذار لم يلجأ الى خطوة الاجماع على تكليف سلام، إلا من باب استيعاب مفاعيل استقالة حكومة ميقاتي بقصد الحد من الخسائر التي ارتكبها بنفسه من خلال «الانقلاب الابيض» على الحكومة المستقيلة، وصولاً الى الفراغ الذي من شأنه ان يؤدي بالنهاية الى «طائف جديد»، يكون الخاسر الاكبر فيه هم المسيحيون.
واستناداً الى هذه النظرية، فإن «المستقبليين» يعتبرون ان الوقت يلعب لمصلحتهم، وهم لأجل ذلك لا يضعون اية مطالب على الرئيس المكلف، خصوصاً وان العناوين العريضة قد تم التفاهم عليها معه، سواء بالنسبة لحكومة انتخابات، او بالنسبة لتشكيلها، وبطبيعة الحال، فإن التفاهم يسري ايضاً على مبدأ المداورة في الحقائب، وهو ما يؤكد عليه الرئيس المكلف، وعلى ان الحكومة يجب ان لا تكون سياسية، بمعنى ان لا يكون وزراؤها من المرشحين، وهذا هو القصد من تعبير حيادية.
وسط هذه الصورة البانورامية لخارطة المواقف، تعتقد الدوائر الدبلوماسية التي تراقب الموقف في لبنان، ان ما حصل حتى هذه اللحظة هو لمصلحة كل الاطراف، الا انه لديهم ملاحظة واحدة، وهي ان عملية التأليف يجب ان تأخذ بالاعتبار التجارب السابقة، بحيث لا تتكرر تجربة ما حصل في الحكومات السابقة، سواء ما يتعلق بحكومة ميقاتي ذات اللون الواحد، او في حكومة الرئيس سعد الحريري التي ذهب بها الثلث المعطل، ويشددون في هذا السياق، على ان تكون الحكومة «صناعة لبنانية» بمعنى ان لا تكون عملية تأليفها خاضعة لارشادات او توجيهات خارجية، او ربما لضغوط، وبالتالي ان لا يلجأ احد من الاطراف الى اخذ البلاد الى خطوة ناقصة، تعيد الامور الى مربع الصراعات والتجاذبات، سيما وان فرصة المصالحة الحقيقية متاحة بقوة في هذه المرحلة، اذا ما احسن اللبنانيون ادارة اللعبة بذكاء، تبعا للمصلحة الوطنية، وليس لمصلحة اهوائهم السياسية وخلافاتهم.