"عم يلعب ع التلج"!
ذات يوم من عام 1982 كتب منصور الرحباني:
"يا عاصي، ثلاثون عاماً ونحن نبارك الفرح. سأتفجع الليلة كما المآسي وكعويل انبياء التوراة".
كانت هذه الكلمات مقدمة لديوانه الشعري "اسافر وحدي ملكاً". امس سافر منصور. آخر الملوك المميزين في لبنان والشرق. والى زمن طويل ستبقى الفجيعة مخيّمة على الاهل والاصدقاء الكثيرين. على الاوتار والحناجر وشدو البلابل. على الاوراق والاقلام والشعر. على المسارح والكواليس والمقاعد. على كل القلوب التي تدندن بعطاء الفرح الذي قدمه منصور. وسيكون عويل كثير كما المآسي وتفجع انبياء التوراة.
❑ ❑ ❑
قبل ايام قليلة كنت احدثه هاتفياً، وكانت حشرجة الوهن تمسك به، لكنه اصر على ان يشرح لي بصوت متهدج ما يتآكله من حزن عميق وقد عرف ان ما كتبه مع عاصي ولحناه وانشدته الاجيال العربية قبل اكثر من نصف قرن، عادت تنشده من جديد على ايقاع الدم المسفوح في غزة و… "سنرجع يوماً الى حيّنا".
وادركت ان هذا منصور الذي اختزن دائماً وداعة طفولية في ابتسامته، يفيض بالدمع وهو يتسقط ما يجري ويتذكر غناء الاجيال: "سنرجع يوماً الى حيّنا".
لا ادري في الواقع اذا كان الارتحال هو فعلاً "عودة الفينيق" الى بلاده، الى حيث يعود منصور او الى حيث ذهبت مخيلته منذ زمن بعيد عندما كتب عام 1965:
"تقترب النهايه
تصرّخ الابواق
يا فرح الوصول
يا نهاية الروايه
فلنتحد بالضوء، بالدوائر المشعه
فلنتحد بفرح الحضور
المجد والذروة في الحضور
والمجد والذروة في النهاية…"
ولا ادري اذا كان منصور قد ذهب الى عاصي بينما يبقى الفينيق هنا، على امتداد مدى الوتر واللحن والزمن.
❑ ❑ ❑
ان الفجيعة في ارتحال منصور هي انه يسافر وحده ملكاً وتبقى انت وحيداً في قبضة الدمع والحزن وقد خسرت اربعة عظماء في رجل واحد:
الفنان العظيم، والشاعر العظيم، والانسان العظيم، والطفل العظيم الذي لم يفارقه يوماً وقد كان يطل دائماً من وراء وجهه ليلقي علينا التحية.
وفي ارتحال منصور الرحباني ما يذكرنا بأسطورة غلغامش الذي لم يرجع هذه المرة الى اوروك مكسوراً وحزيناً لانه لم يحظ بشجرة الخلود، بل عاد خالداً مثل الارز ومثل هذه السلسلة الهائلة من "الاهرامات الفنية" الرائعة التي قدمها مع عاصي والياس الشقيق الاصغر ثم مع مروان وغدي واسامة ومع الياس طبعاً.
❑ ❑ ❑
منذ ارتحال عاصي ظل منصور يستحضره في كل نوتة وضعها، وفي كل حرف كتبه في مسرحياته العشر، وخصوصاً في "ملوك الطوائف" و"حكم الرعيان"، اما في النص اللاهوتي الذي وضعه بعنوان "وقام في اليوم الثالث" فكان يحاول ان يثبت لنفسه سراً ان قيامة عاصي الى جانبه حقيقة ملموسة!
ولكن ها هو منصور يرتحل الى "جبال الصوان" حيث يعشش الفينيق، او لعله يرتحل ويبقى الفينيق الذي راكمه على ألسن الاجيال وفي قلوب الناس وفي وجدان الوطن وبرّيته التي "تشتي شحارير".
كان منصور يعرف تماماً انه سيرتحل يوماً، وقد كتب قبل ربع قرن واكثر:
"من اجلك احزن يا منصور
يا وجه النحت
الفرعوني
مصلوب انت على شطآن العالم
كل العالم…".
ولكن الذين يعرفون منصور يعرفون تماماً كم كان اميناً وصادقاً ومخلصاً، سواء ايام عاصي او بعده، على ما نذر له كل نبضة من حياته وهو الذي اختصر كل حياته الرائعة والنفيسة ايضاً بكلمات قليلة عام 1988 عندما كتب:
"أُرسلت لأشهد للضعفاء
لملوك المأساة النبلاء
لأقيم الصلح مع الاوجاع
وانهي الغربة في الغرباء
اغنية جئت وفي سفَري
امنح اسمائي للاشياء
مختزن سرُّك في كما
في الرملة تختزن الصحراء"
❑ ❑ ❑
اخيراً نهاية مختلفة لاسطورة غلغامش الذي يدخل مجد الخلود وقد سافر ملكاً وحيداً بعد عاصي.
ولكن اتعرف يا منصور، يا حسرتي عليك يا منصور. فرغم كل طوفان المجد الذي تتركه لنا، انا عالق منذ سمعت نبأ موتك داخل اغنية "انا وشادي غنينا سوا". وربما سأبقى عالقاً هناك أصيح: "… وينك رايح يا منصور"؟ ويكتسحني صوت فيروز مثل سكين الحزن وهي تنشد:
"والتلج اجا وراح التلج. عشرين مرة اجا وراح التلج. وانا صرت اكبر وشادي بعدو زغيّر عم يلعب ع التلج".