الحرب على غزّة إنذار مبكر للبنان
تدريجياً ومع استمرار العدوان الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة وبعد إجماع لبناني على ادانة الجرائم التي ارتكبتها اسرائيل بدأ يلوح في الأفق السياسي المحلي انقسام وتباين في الآراء حول مدى تأثر الوضع الداخلي من مختلف جوانبه بما يجري في غزة والمنطقة بشكل عام وعما ذا كان البلد قادراً على استيعاب حالة من الجمهود تضاف الى حالة مشابهة يعانيها البلد منذ ما قبل حرب تموز والى وقتنا هذا.
مصادر سياسية واسعة الاطلاع ترى في الانقسام الراهن خطراً على البلد لأن المرحلة استثنائية. ففي حالة طبيعية قد يكون الانقسام مبرراً ومفهوماً على قاعدة عدم انعزال لبنان عن محيطه وقضايا المنطقة خاصة وان البلد درج على "انفتاحه" وتأثره بكل ما يجري في العالم إلا انه كان فيما مضى قادراً على تكرار وتأكيد مقولة "الساحة التي تمتص خضات كل الساحات" الا ان أوضاعه الراهنة باتت لا تسمح بإمكانية استمرار البلد "ساحة الساحات" وتستدرك المصادر للقول باستحالة عزل لبنان عن محيطه تأثراً وتفاعلاً انما ما يجري الحديث عنه هو الفصل بين التغييرات الديموقراطية عن هذا التأثر والتفاعل وبين استمرار الحياة السياسية والدستورية والعملية خاصة على مستوى الحكم والمؤسسات حيث يمكن معالجة بعض التداعيات المتوقعة للحرب على غزة.
وتتوقف المصادر عند محاولات بعض الفرقاء تقديم ما يجري في غزة على ما عداه وحشد كل الطاقات نظرياً لدعم الشعب الفلسطيني هناك والشروع سريعاً باستخلاص العبر والمثالات وتحويلها وتوظيفها سياسياً لدعم وجهات نظرهم من هذا الموضوع أو ذاك أو استحضار ما جرى ويجري وسحبه على تجربة حرب تموز واستعادة منطق التخوين وزرع الفتن حتى وصل الأمر الى نعي طاولة الحوار التي كانت تناقش ما اتفق على تسميته الاستراتيجيا الدفاعية حيث جرى استخلاص سلسلة من تلك العبر تقول ان تجربة المقاومة في غزة نموذجاً صالحاً للبنان فلماذا والحالة هذه استمرار الحوار حول تلك الاستراتيجيا"!!.
وتعتبر المصادر ان من حق هذه الجهة السياسية التي تجاهر برأيها لكن لا تتمسك به على حساب استمرار الحوار وبالتزامن مع اصرارها على وقف تدريجي للعجلة السياسية ولعمل المؤسسات.. وهنا تكمن مخاطر هذا التوجه السياسي الذي لا تتحمله البيئة الداخلية للنظام اللبناني الذي يعاني من سلسلة مشاكل يجب العمل على حلها وعدم استخدامها من قبل هذا الفريق لأغراض انتخابية فضلاً عن تأثيراتها على الوضع السياسي العام.
وتحذر المصادر من وجود جهات توافق على استمرار العمل المؤسساتي بشكل طبيعي لكنها تستخدم الأوضاع العسكرية على غزة واحتمال انعكاسها على لبنان باتجاه الضغط أو عرقلة بعض الملفات وبالتالي التمسك بسلسلة من وجهات النظر والخلاصات التي يجري تعميمها من غير نقاش وفي حالة حصوله تطلق لوازم التخوين ومستتبعاته صحيح ـ تضيف المصادر ـ ان مثل هذا التوجه لم يعمم الا انه بدأ ويخشى من تصاعده فيما المطلوب في هذا المجال تعميق الحوار واستخلاص العبر وفق منطق تحليلي واقعي واعي.
وتنظر المصادر الى وجهات النظر الداعية الى تحصين الساحة الداخلية ضد كل الأخطار بارتياح لا سيما تلك التي تشكل بؤراً يمكن أن تندلع منها شرارات تحرق ما حولها وتمتد ومثال ذلك الموقف من اطلاق الصواريخ حيث سجل اجماع شكّل حماية وردعاً لإمكانية استخدام لبنان منصة صواريخ للآخرين كما أعلن رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء مجتمعاً ولا ترى المصادر خيراً من اطلاق حملة واسعة لتحسين أوضاع المخيمات الفلسطينية. من الزاوية الانسانية عبر تحريك المجتمع الدولي المعني بالمساعدات سواء للمضي في مخطط اعادة بناء مخيم البارد ورعاية أو معالجة بعض ما تعانيه التجمعات الفلسطينية الأخرى..
ولا تبدي المصادر خشية من الشروع في جعل التوافق اللبناني على طاولة الحوار ومن ثم الفلسطينيين بشان السلاح خارج المخيمات أمراً واقعاً ومدرجاً للتنفيذ وكذلك تنظيم السلاح داخل المخيمات حيث يمكن الاستفادة من التطورات الجارية في غزة لضبط هذا الملف والمسؤول دون استخدامه لأغراض مشابهة لاطلاق الصواريخ العشوائية في الجنوب فاستمرار الحديث عن اعتبار المخيمات بؤراً يمكن أن تستخدم ضد الفلسطينيين أنفسهم كما اللبنانيين مثلما جرى في مخيم نهر البارد وما حاول البعض القيام به في مخيم عين الحلوة أمراً يجب ان يحظى بعناية فائقة لأن القلق من استخدام لبنان بكل مكوناته ومنها الفلسطينية لأغراض التخريب ما يزال قائماً على الرغم من بعض المواقف والتطمينات. الا ان الاوطان لا تقوم على هذه القواعد.. فما أصاب ويصيب غزة بات انذاراً مبكراً للبنان يجب الاصغاء اليه.