#adsense

منصور الرحباني: الرحيل الثاني

حجم الخط

منصور الرحباني: الرحيل الثاني

اليوم اكتملت رحلة الأخوين رحباني، وبقيت ملء الأرض والسماء. رحلة العبقرية التي تفجرت مثل فوار انطلياس وأخذت لبنان الى فضاء الجمال على يدي ولدين في بيت حنا الرحباني: عاصي شرطي بلدي ومنصور في سلك البوليس في بيروت. رحلة خلق الجمال والبحث عن العدل والتزام قضايا الانسان عبر ظاهرة فنية هي الأكمل والأرقى في حياة لبنان.

نصف منصور كان في القبر منذ رحل عاصي ونصفه الآخر يكمل الإبداع الشعري والمسرحي والموسيقي من غرفة صغيرة في البيت. بعضه حوار مع (الغامض) الذي كان هاجس عاصي، وبعضه الآخر مسار في هوايات القلب والعقل لتغيير الواقع بما هو أجمل من الأحلام وتوسيع الفرح لدى الناس، وأحبهم اليه البسطاء. في أول الصيف رحل عاصي، وفي مطلع الشتاء جاء الرحيل الثاني لمنصور. وبين ذلك الصيف وهذا الشتاء كانت فصول من البهاء جعلت السحر حقيقة في لبنان والعالم العربي.

كان منصور يكمل الحلم وهو يعرف قول الشاعر الأميركي ديلمور شواتزر: (في الأحلام تبدأ المسؤوليات). رأى الحرب تدمر (الوطن الرحباني) الذي ابتدعه الأخوان، لكنه لم يفقد إيمانه به. ورأى (الوطن الواقعي) يُدفع الى التخلي عن روحه والنزول عن سلّم القيم والوقوع في أسر التشنج، لكنه ظل يحمله الى فوق كما في أسطورة (سيزيف). لجأ الى التاريخ في المسرحيات الغنائية، لا هرباً من الواقع بل لكي يؤكد أن شعلة الماضي قادرة على الاستمرار في الحاضر. وهو يعود اليوم الى الأرض تاركاً تاريخه فضاء للمستقبل.

كان همه لبنان والقدس. لكن همه الأكبر هو الانسان وحقه في العدل. لا السلطة أغرته ولا المال. وليس في تاريخ العبقريات مَن كان في تواضع عاصي ومنصور وبساطة حياتهما وحبهما للنقاش والأصدقاء ورغبتهما الدائمة في التعبير بالفن عن الشرط الانساني للحياة وكشف سر الكون وجعل قصص الناس أرقى من الواقع.

يُقال (إن الدول تكتب قصصها بثلاث مخطوطات: كتاب الأفعال، كتاب الأقوال، وكتاب الفن). لكن كتاب الأفعال في لبنان مخيف. وكتاب الأقوال وصل مؤخراً الى ما دون السخافة. وليس لديه ما يفاخر به ويجعل قلوب الناس فيه وفي العالم العربي تنبض بحبه سوى كتاب الفن الذي سجله الأخوان رحباني ثم منصور وحده، على مدى أكثر من نصف قرن.

اليوم تكتمل الرحلة في حضور (عودة الفينيق) على المسرح. لكن عاصي لم يغب. ومنصور لن يغيب. فلا غياب لمن يملأ الدنيا بالجمال والشعر والموسيقى. ولا حضور أقوى من الاستمرار في ذاكرة وطن والبقاء اليومي بالفن في حياة شعب.

المصدر:
الأنوار

خبر عاجل