لعبة الصواريخ في معادلة الحرب
ليس أخطر من لعبة الصواريخ سوى الإصرار على إيذاء لبنان من دون القدرة على مساعدة غزة. فمَن هي هذه (الجهة المجهولة) التي تنقل صواريخ الى الجنوب وتنصبها وتطلقها على الجليل وتبقى (مجهولة)؟ كيف تكرر تحديها للإجماع الوطني وقرار مجلس الوزراء وتحذيرات الجيش و(اليونيفيل) والموقف العربي والإقليمي برغم اختلاف المحاور، من دون أن تخشى الكشف أو الانكشاف؟ ومَن يحميها بحيث تتصرف كأن استضعاف لبنان رياضة قومية وجريمة مستمرة بلا عقاب منذ الستينات في القرن الماضي؟
لا مجال للحديث عن مفاجأة إلا لمن يريد أن يفاجئ نفسه، لا فقط بإطلاق الصواريخ للمرة الثانية خلال أسبوع بل أيضاً بالحرص على توريط البلد في حرب مدمرة. صحيح ان من المستحيل إغلاق كل الثغرات الأمنية، ولو ملأنا الطرق والمحاور بالجنود ورجال الأمن ووضعنا حارساً للوطن تحت كل شجرة. وحسناً فعل قائد الجيش العماد جان قهوجي حين أرسل قوات خاصة إضافية الى الجنوب لضمان الإمساك أكثر بالأمن الوطني. لكن الصحيح أيضاً أن ما يغري (الجهة المجهولة) بالعمل هو الضعف السياسي للبنان أكثر منه الثغرات الأمنية. وما يدفعها هو خلق ظروف تساهم في التخفيف من الضغط الاسرائيلي على غزة عبر الجبهة الوحيدة التي يتصور أي طرف أنه قادر على فتحها، ولو تعرضنا لما يضيف الى مأساة غزة مأساة في لبنان.
ذلك أن المعادلة واضحة منذ حرب 2006 حتى حرب غزة: اسرائيل تقول إنها ليست معنية بفتح جبهة ثانية، لكنها على استعداد لحرب شاملة ولو صارت إقليمية. وحزب الله يقول إنه ليس معنياً بفتح جبهة ثانية، لكنه مستعد لمواجهة أي عدوان اسرائيلي بما يجعل ما كان في حرب تموز (نزهة) حسب تعبير الأمين العام السيد حسن نصرالله. والكل يعرف أن الحرب يمكن أن تقع بواحد من عاملين. الأول هو قرار إقليمي كبير على أساس أن الوقت حان لتغيير اللعبة بشكل كامل في المنطقة. والثاني هو تراكم حوادث مع سوء تقدير للحسابات وبالتالي الذهاب الى الحرب بالفعل وردّ الفعل.
وليس اطلاق الصواريخ سوى جزء من السعي لتراكم الحوادث التي يمكن أن تقود الى حرب. فضلاً عن أنه رد سريع على ما أعلنه الرئيس ميشال سليمان وتبناه مجلس الوزراء بالاجماع، وهو أن لبنان لن يكون منصة لاطلاق الصواريخ. وما دام تجنيب لبنان مخاطر العدوان الاسرائيلي أولوية، فإن بداية الطريق هي الخروج من خرافة (الجهة المجهولة). والحد الأدنى لصدقية الحوار حول الاستراتيجية الدفاعية هو تطبيق ما جرى التفاهم عليه بالاجماع في المرحلة الماضية من الحوار.