#adsense

الجيش السوري ينسحب من لبنان وحلفاؤه “يعيدون انتشارهم”.. في سوريا

حجم الخط

هم انسحبوا في نيسان . تركوا خلفهم ما يؤكد عدم انسحابهم.. حملوا أمتعتهم. إنهم جيش النظام السوري ووصايته وأجهزة مخابراته العلنية. لملموا أغراضهم ورحلوا وكسّر الشباب خلفهم جرار الفخار على أمل أن لا يعودوا.. لكنهم عادوا بعد خروجهم بأقل من شهر، أعادوا لوصايتهم شكلها الجديد عبر صورة قديمة، هي “وصاية” العبوات الناسفة وعمليات الاغتيال.. قتلوا سمير قصير وجورج حاوي ولم يتوقفوا حتى وصلوا في آخر اغتيالاتهم إلى اللواء وسام الحسن.

انسحبوا صحيح، لكنهم تركوا خلفهم من يمثلهم أيضاً، ومن يحمل العبوات الناسفة من مخازنهم لتتفجر في حياة اللبنانيين، كما حصل في قضية الوزير السابق ميشال سماحة.

في ذلك اليوم حملوا أغراضهم الخاصة ووضعوها في سيارة المرسيدس الأخيرة التي كان يركبها العميد الركن رستم غزالي، وبعد ظهر السادس والعشرين من نيسان 2005، خرج آخر مخابراتي علني سوري من لبنان، بعد خروج الشاحنة الأخيرة لعناصر الجيش السوري عبر منفذ المصنع ـ جديدة يابوس الحدودي.

الطريق التي سلكتها سيارة غزالي، أي المرسيدس السوداء في رحلتها الأخيرة من لبنان لم يسأل أحد إن كانت عبرت الطريق الحدودية الرسمية أم الطريق العسكرية التي كانت الحبل السري المعلن الذي يربط البلدين ويلتف حول عنق لبنان بشكل خاص. فالمهم أن “الوصاية” انتهت.

ليس قليلاً أن يكون ذلك كله حدث قبل ثمانية أعوام، تغيرت الأحوال، وصار “أمن السفارة” يحاول خطف وتهديد المواطنين السوريين المعارضين الفارين من نهر الدم المستباح هناك.

ثماني سنوات صعبة لم يهدأ فيها البلد، ولكن في الربع الأخير لهذه الثماني تبدلت الأمور كثيراً، حمل الشعب السوري ثورته وانطلق إلى الشوارع محاولاً وقف الموت الذي يرميه جيش “الأسد” بدباباته وطائراته الحربية، ومعتقلاته السوداء، وكذلك الأفران التي استوردها حديثاً لإحراق جثث المعتقلين وتحويلها رماداً، آلاف أجساد الشباب الذين قتلوا تحت التعذيب صار بالإمكان رميها في مكان ما وتعود إلى الأرض والتراب الذي أتت منه.

ولكن، بعد هذه السنين اختلفت معايير العلاقة مع النظام السوري، وبدلاً من أن يقوم هو بنجدة حلفائه هنا، صار يحتاج الى دعم الحلفاء وسلاحهم ودماء شبانهم اللبنانيين. تحول “المحتل” إلى قبضة حديدية في مواجهة المواطنين السوريين، فأدخل نموذجاً جديداً من العلاقات بين الدول.. الاستعانة بميليشيات من دولة أخرى للاقتصاص من الشعب.

اذاً، أصبح لدينا في بيروت سفارة سورية، فيها “أشاوس” يعتدون على المعتصمين أمامها، وفيها جهاز أمني يختطف شبلي العيسمي والأخوة جاسم. وهي، أي السفارة تقوم بخير تمثيل للنظام، لا يستطيع دخولها سوى السوريين المرضي عنهم، وتمنح بركتها لمن تشاء من لبنانيين يريدون “الخضوع” للقائد عبر ممثليه على الأراضي اللبنانية.

يوم 26 نيسان 2005 وزّع الكثيرون حلوى الأفراح لخروج “أبو عبدو” في رحلته الأخيرة عبر معبر “المصنع”. فيما آخرون أهدوا دموع الحزن للراحل وقائده في قصر المهاجرين. فالانسحاب أبكى كثيرين ممن كانوا يعتاشون من الوجود السوري ويتكلون عليه لتغيير معادلات سياسية في لبنان.

خرج النظام السوري من هذه البلاد من دون أي حوار، إلا الحوار مع من تحولوا لاحقاً إلى حلفاء مؤبدين. فبعد اغتيال رفيق الحريري، وقيام التظاهرات الغاضبة، وازدياد الضغط الدولي من كل جهات العالم، رحل “أبو عبدو” عائداً إلى منطقة جديدة يقتل فيها من يشاء ويزرع الرعب بين أهلها.. اختار ريف دمشق مركزاً له، ليكون هذا الريف مع “الثورة السورية” خزان حصار الأسد في قصره. في العام أخذت مراكز المخابرات المنتشرة على الأراضي اللبنانية إجازة من دون عودة. حمل عناصرها مصيرهم بيدهم، فيما تركوا في لبنان الكثير من نقاط الضعف التي تحولّت مع الوقت إلى نقاط اشتعال داخلي، ساهمت في هزّ الأوضاع الأمنية والسياسية والاجتماعية الداخلية.

في اليوم الأخير للانسحاب، رفع جنود الجيش السوري، شارات النصر. كانوا يصرّون على تأكيد انتصارهم ذلك اليوم، قبل الوصول إلى نقطة جديدة يابوس الحدودية، فبالنسبة الى الجنود المرميين في مناطق بعيدة عن أهاليهم لمدة سنوات هو نصرٌ العودة إلى أحضان بلدهم بعيداً من جلف ضباطهم ومصاعب الغربة، وتحمل أن يكونوا “احتلالاً”.

لوّحوا بأيديهم وبأعلام بلدهم. لم يكن هناك كثيرون في وداعهم. قلائل من أيتام سوريا وقفوا قرب نقطة الحدود يلوّحون بأعلام سوداء في وقت وقف عدد من أهالي المعتقلين اللبنانيين المخفيين قسراً في سجون المخابرات السورية، ينتظرون أي بادرة أمل بظهور أحبّتهم. كان ذلك اليوم صعباً على الكثير من الأمهات، لأن عدم ظهور الأحبّة يعني أن النظام في دمشق ما زال يستعمل الكثير من الأوراق اللبنانية يقلّب فيها كيفما شاء.

لم يكن وداع سيارة “أبو عبدو” السوداء دافئاً حين خروجها من المصنع. كان البعض منهم يتذكر ثلاثين عاماً من الاحتلال والوصاية والتدخل في حياة الناس. قضايا كثيرة حضرت لدى الكثيرين وهم جالسون في منازلهم يتابعون شاشات التلفزة لليوم الأخير لـ”أبو عبدو” في لبنان، من الوقوف لساعات طويلة أمام حواجز المخابرات، الى الشتائم والاعتقالات والاختفاءات القسرية.

هي الأعوام مثل الدولاب على ما يقول المثل اللبناني، انقلبت الدنيا، واستطاع الشعب السوري أن يحوّل الرعب إلى ثورة. وصارت قرية “أبو عبدو” نفسه معقلاً للثوار في مواجهة الظلم، وعاد القاتل ليمارس هدم البيوت وقتل الأطفال والنساء، في درعا وحمص وحماه وحلب.

إنه نظام القتل نفسه، مثل الساعة التي لا تتوقف عن الدوران، لا يتوقف هو عن ارتكاب الجريمة.
في القصير يحتل لبنانيون قرى وبلدات سورية للدفاع عن مواطنين لبنانيين في سوريا.. لكن يتخوف البعض من أن يتحول هذا الأمر إلى قوة عسكرية تستعمل عند الحاجة، كمثل تعرض اللبنانيين في بلد أفريقي لاعتداء ما، فيطلبون من يدافع عنهم.. فهل يتحول السلاح الذي أسس لقتال إسرائيل إلى بندقية تشارك في حروب العالم؟.

خرج بعض اللبنانيين إلى دمشق ليقاتلوا فيها مع الجيش السوري، تحولوا من شهداء هذا الشعب إلى محاربيه في لوحة تشبه الدولاب اللبناني بانقلابه كل مرة.. أو كما قالت صباح في أغنيتها “يا ناس الدنيا دولاب”.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل