أذكر يوماً أنني كنت أقرأ في كتاب علم الاجتماع الفرنسي الذي يدرس لطلاب الثانوية في لبنان، إن كانوا اختاروا الشهادة المزدوجة، أي الشهادة اللبنانية والفرنسية معا، أذكر أن في إحدى الصفحات التي تتحدث عن الأحزاب والانخراط المجتمعي فيها، كان الجواب تلقائي عند معظم المستفتين في هذا المحور، أن اختيار الحزب الذي سينتمي إليه يكون في سن الثامنة عشرة.
المدهش في هذه الدراسة ليس اختيار السن لدخول الأحزاب، بل الطريقة التي يفكر فيها الفرنسيون، بحيث أنهم يعتبرون الانخراط في حزب معين والانتساب إليه أمر حتمي لا بد منه، وهي ثقافة سياسية مثالية، تجعل من فرنسا تكتسب حقا لقب “أم الديمقراطيات”.
في لبنان، وبعد الخروج من الحرب، والانسحاب السوري منذ ثماني سنوات، بات بإمكاننا القول إن المؤسسات الحزبية باتت تشهد نهضة معينة انطلاقاً من الدور الذي تريد أن تلعبه على الصعيد السياسي، وقد كان حزب “القوات اللبنانية” أول المبادرين إلى إطلاق ورشة إعادة الهيكلة والتنظيم، ووضع القانون الداخلي لفتح باب الانتساب وجعل حزب “القوات اللبنانية” مؤسسة نحو المستقبل.
هذا الحزب الذي عانى كل أنواع الإقصاء والتهميش خلال فترة الاحتلال السوري، والذي تعرض لكل محاولات العزل، تمكن من أن يتخطى هذه المحن وينتصر عليها، ويتغلب على كل الشائعات والصور المعلبة التي أرادوها له، والتي تبين مع الوقت أنها صنيعة الماكينات الاستخباراتية السورية، وأن دور الحزب في السلم وفي الحرب ما كان إلا حماية استقلال لبنان ودوره الريادي.
انطلاقا من هذا الواقع، بات حزب “القوات اللبنانية” في مرحلة متطورة من الورشة الداخلية من أجل إرساء قواعد المشاركة الصحيحة في الحياة السياسية. والانتساب إلى الحزب يفتح المجال أمام كل الذين يختارون هذا الحزب لتجسيد أفكارهم، للمشاركة في القرار وطرح أفكارهم، وربما التقدم في صفوف التنظيم الحزبي للمشاركة في الاستحقاقات الانتخابية على اختلافها، وفقا للتنظيم الدقيق الذي وضع في القانون الداخلي.
من المفرح جدا أن نرى حزباً في لبنان يتقدم بخطى واثقة نحو الدولة الفعلية التي تقيم الديمقراطية أساسا في حياتها الحزبية، من أجل الوصول إلى دولة تصون مؤسساتها، ويكون فيها الانتساب إلى الحزب واجباً وطنياً من أجل المشاركة بالأفكار والآراء والقرارات وبناء الدولة كل من موقعه.