بين الصبر والحمرنة (بقلم مايكل كولي)
“أبو صابر” كنية مشهورة للحمار في بعض البلدان العربية، تنم عن مدى تحمله للصعاب وطول باله. غير أن كل ما زاد عن حده نقص. وبحسب رأي احد الأئمة المسلمين الكبار، فان الصبر الذي ليس له حدود يصير حمرنة، والإنسان الذي يستطيع ان يتحمل كل الظروف، ولا ينزعج ابداً، واذا ما انزعج فانه لا يبدي اي رد فعل من شأنه ان يغير الواقع او يثور عليه، فقد اكتسب من خلق الحمار وميزاته.
السؤال المطروح هو: ألا يزال صبر اللبنانيين وتحملهم ضمن الحد المحمود، ام انه قارب المرحلة المذمومة؟
قسم كبير من الناس يرون ان صبر اللبنانيين هو من الخصال الحميدة، ويبررون ذلك بأن البديل منه لا يعدو خيارات سلبية وقاتمة، كالهجرة والانفجار، وهي ليست في مصلحة احد. كما يرون ان اللبناني، بفضل صبره، نجح حتى الآن في التعامل مع الازمات المتلاحقة وابتكر في كل مرة حلولاً عملانية تقلل من الاضرار، وليس آخرها ظاهرة ابتعاد المزيد من اللبنانيين عن متابعة الأخبار السياسية، تجنباً لآثارها السيئة على المزاج العام وعلى الصحة، فالتفتوا الى ما يفيدهم من سعي معثر، وراء رزق مقتر، ورغيف معقر.
ويرى آخرون ان صبر اللبنانيين قد خرج عن المرحلة المرضية وصار حالة مرضية، وهؤلاء يرفضون التبريرات التي يقدمها الفريق الاول كاشارات ايجابية، ويعتبرونها اشارات سلبية. فمثلاً يعتبر الفريق الاول ان استمرار الحياة بشكلها الحالي في غياب سلطات الدولة، يشكل انتصاراً لاصرار اللبناني وتشبثه بالحياة ورغم ان الباحثين يؤكدون حاجة المجموعات الماسة الى السلطة، يتباهى اللبنانيون بكونهم قادرين على تسيير امورهم وتيسير شؤونهم دونما حاجة اليها، الأمر الذي يرى فيه الفريق الثاني تأكيداً لعمق المشكلة التي اخذت تتكشف بشكل فاضح. فما يحدث اليوم يظهر ان السلطة الرسمية في لبنان هي مجرد سلطة صورية، وان المؤسسات وصلت الى حال مزرية من الاهتراء والترهل، وان اللبنانيين فشلوا حتى الآن في بناء دولة متجذرة في المجتمع يتوافقون عليها جميعاً. وما يفهمه البعض على انه استغناء عن السلطة، ليس إلا استبدالاً لصورتها، وإبقاء على تقاسمها. فالسلطة ابتكار لجأت اليه المجتمعات لتؤمن استمرارها ونموها، من خلال علاقة تعاقدية بين المنظومة من جهة والسلطة من جهة اخرى، تلتزم السلطة توفير التوجيه والحماية والنظام مقابل منح هذه السلطة صلاحيات الحكم وتمكينها من التصرف بالمقدرات العامة وفق الاعراف المرعية، وأنه متى اخلت السلطة ببنود العقد فان المنظومة تسعى الى تبديلها او ايجاد بديل منها. والبديل الحاضر في لبنان لم يكن إلا العودة الى حال ما قبل الاستقلال، فبقيت السلطة موزعة بين ملوك الطوائف، ولم يؤد مرور الزمن الا الى ترسيخها بأيديهم بشكل اكبر، ما يكشف بوضوح ان لبنان لم يصر دولة بعد، بل هو لا يزال مجموعة من الطوائف المتجاورة جغرافياً، مع شيء من التداخل، تسعى منفردة لتحقيق مآربها ولو على حساب الشريك… والوطن.
وفيما يرى الفريق الاول ان غريزة البقاء تجلت بأقوى صورها في كفاح اللبناني للاستمرار في أحلك الظروف، فابتكر انماطاً فريدة من الحلول التي تتلاءم مع واقعه المتخم بالازمات المستجدة. فان الفريق الثاني يرى ان غريزة البقاء ليست خصوصية لبنانية، بل سمة عامة عند كل البشر حمل التاريخ الكثير من نماذجها، فقد كافحت الشعوب عندما تهدد وجودها، واستطاعت تجاوز الازمات والصعاب، وتأقلمت لكي تستمر وتنمو. ولكن السؤال هل التأقلم هو علامة ايجابية دائماً؟
الغرض من التأقلم هو خدمة الوجود، اما اذا جاء على حساب الوجود فانه يكون أمراً سلبياً. ان التعايش مع الازمات بدلاً من السعي الى حلها يستهلك قدرة الانسان الابداعية، ويجعله دائراً في حلقة مفرغة، كحمار الرحى، والشعب اللبناني قدم تضحيات وتنازلات كبيرة لكي يستطيع الاستمرار. فبينما لجأت فئة من اللبنانيين الى التنازل في نوعية الحياة والتقليل من الكماليات والرفاهية، فان الفئة الاوسع حذفت من قاموس استهلاكها كثيراً من الضروريات او قننته. ان الوضع السليم الذي ينبغي ان يحيا فيه الانسان هو ان يكون في بيئة تتطلب منه حداً ادنى من القلق على وجوده، بينما يستثمر الكم الأكبر من جهده في التطور والنمو لانتاج حياة انسانية اسمى، وأوفر كرامة.
هناك نوعان من التأقلم، “التأقلم الايجابي” Positive Adaptation: وهو التطور لامتلاك المقدرة على حل المشكلة والمضي قدماً نحو حياة افضل و”التأقلم السلبي” Negative Adaptation: وهو التعايش مع المشكلة دون حلها. وخلف التأقلم السلبي يكمن شعور بالعجز واليأس والاستسلام، يحبس الروح ويقتل الأمل، فهل يكون خلف قدرة التأقلم المميزة عند اللبنانيين قناعة وصلت الى حد اليأس؟ وهل يكون تزايد اعداد الاشخاص الذين قرروا مقاطعة الاخبار، اقراراً بتفاقم حالة اليأس والشعور بالعجز والتهرب من المسؤولية Work Avoidance؟ وما الذي يمكن ان يكون غير آلية للهروب من الواقع عوضاً عن مواجهته Escape Mechanism؟ فراكبوا الحافلة اللبنانية سئموا من السؤال عن وجهتها ومسارها، بعد ان كذبهم الحدث في كل مرة، وقنعوا انهم لن يعرفوا، وان معرفتهم، ان عرفوا، لن تغير شيئاً، ففضلوا العيش في راحة الجهل والتجاهل، واستكانوا لكونهم لن يتمكنوا من اختراق الحياة العامة، او الدخول في نادي الزعماء المحتكرين للسلطة الحقيقية، او القيام بما يلزم من مبادرات يمكن ان تحسن الاحوال.
لقد تحول صبر اللبناني وتجاهله للازمة معضلة بعدما كان حلاً. فاللبناني استطاع ان يصبر ويتجاهل الازمات التي تنهش لحمه وعظمه وتفت في عضده، ولم يدفعه جوعه ولا ضنك عيشه الى موقف. واذا كانت القضية الانسانية العادلة التي تمسه شخصياً لا تدفعه للمطالبة والوقوف لمناصرتها بشكل جازم وصارم فأي شيء قد يستطيع تحريكه في المستقبل؟! وكيف يمكن له ان يتعاطف بفعالية مع قضايا الانسانية اذا لم يكن قادراً على التفاعل مع قضاياه الشخصية؟
ان المكابرين الذين يرون ان الامور سائرة والاحوال جيدة رغم الفراغ في السلطة الرسمية، يتغاضون عن كثير من الحقائق، فالحركة هي في حدها الادنى وكذلك الاحوال الاقتصادية، والوطن يحتضر وابناؤه يهاجرون، فكيف تكون الامور طبيعية؟!. لقد اصبحت حياة اللبناني وطموحه محصورين بالمستوى الفزيولوجي فقط، واصبح نشاطه محصوراً بنشاط الجهاز الهضمي، وبعض الاجهزة الاخرى، اما البعد الانساني ونشاطات الفكر والتوسع فقد شلت. فاللبنانيون يجهدون للحصول على لقمة عيشهم دون ان يتوافر لهم وقت او نشاط ليتمكنوا، كما كانوا، من الاسهام في الحركة الفكرية والثقافية العالمية، واذا توافر الوقت والنشاط فسرعان ما تبعثرهما هموم الامن والسياسة والمعيشة. فمتى تمكن انسان محبط او يائس او مستسلم من التفكير والابداع؟! وكيف لا يحبط اللبناني ومقومات الوطن تنهار ومؤسساته لا تعمل، فيما يشعر هو بالعجز؟ ولعل المؤسسة الوحيدة التي تستمر في عملها حتى الآن هي المؤسسة العسكرية، لأنها تؤمن مطلباً يتفق عليه الجميع وهو الحد الادنى من النظام والحماية، ما يفسر ترحيب عموم الشعب بالجيش وقائده كمرشح وفاقي لرئاسة الجمهورية عله يكون ضماناً للحفاظ على آلية الدولة والمؤسسات لتأمين الامن والرغيف في ظل غياب الرؤية المشتركة عند المجموعات اللبنانية التي لا تزال اقليات طائفية ليس بينها ثقة او تفاهم، سوى توافق ضمني بين زعمائها لتشكيل بيئة ضابطة هشة لمنع تجدد الحرب الاهلية.
اما الدستور الذي ينبغي ان يشكل المساحة المشتركة بين الجميع، فمسكين هو. اللبنانيون ما فتئوا يفخرون بالقول ان التوافق عندهم اهم من الدستور. ولا عجب في ذلك، اذ ليس في ثقافة اللبناني ولا تربيته، عموما، احترام القانون ومراعاته. ويكفي ان تقود سيارتك في شوارع لبنان لتعرف ان الشاخصات المرورية لا تعدو ان تكون مجرد اقتراحات خجولة ينعت المجتمع من يلتزم بها بالغباء والقصور، وهذا مؤشر بليغ لتعامل اللبنانيين مع سائر الانظمة والقوانين وصولا الى الدستور!.
يبقى ان نقول ان ما يجري في لبنان هو صراع المذاهب المتخاصمة على السلطة والمقدرات، وهذا الصراع يتجلى بأوضح صوره، وليست الشارات التي ترفع لترجع الازمة الى ازمة ثقة او تفرد او مشاركة او استئثار او توافق او حتى خلافات دستورية الاّ أغلفة لهذا الصراع الذي مزق الاقنعة وكشف المستور. والجلي اللافت في هذا الصراع هو مدى سيطرة الزعماء على تابعيهم وجمهورهم. فالصراع وصل الى ذروته، وتشابكت فيه المصالح الداخلية والخارجية دون اي فاصل دقيق، وتهاوى الاقتصاد، وتفككت الدولة ومع ذلك لا يزال الزعيم مرتاح البال هانىء العيش، لا تقلقه محاسبة الجماهير ومساءلتهم او حتى سؤالهم عن مصلحتهم المرتجاة من سلوكه السياسي ومواقفه “الوطنية” او غير الوطنية. والملام في هذا ليس الزعيم الذي وجد كرسيَّا وثيراً فاستطاب جلوسه، بل الجمهور الذي ينقاد بتبعية عمياء، ويقدم الثقة الخرساء، والاتكال المطلق، والرضا التام على الزعماء وتقبل كل ما يصدر عنهم من تصرف “مسؤول” ولو كانوا يقودونهم الى الانتحار التدريجي على سلم الصعود الى الهاوية، ما دام يعدهم بحمايتهم من اخوانهم في الوطن وبالمحافظة على حقوقهم المذهبية، او استردادها، او تعزيزها. ومما لا شك فيه ان لغياب العمل القيادي، خصوصا على مستوى النخب، دوراً كبيراً في تفاقم الاشكالات. فالفكر القيادي الكفيل ببث ثقافة المحاسبة والمساءلة للسلطة، رسمية كانت أم فعلية، على اساس ان دورها خدمة المجتمع والسعي لتطور المفاهيم التي تؤمن بقاءه ونموه. وفي هذا الاطار فان وجود الفرد يعتمد بالضرورة على وجود الآخر، ولا يمكن ان يبنى انتصار حقيقي لمصلحة الانسان والانسانية على انكسار الآخر، بل ان المصلحة الشخصية والانانية تفرض ان يتحلى الانسان بدرجة من الذكاء تمكنه من ان ينظر ابعد من انفه بقليل ليستيقن ان اعترافه بحقوق الآخر ومساندته هو ما يؤمن له مصالحه الخاصة ويوصله الى حقوقه، فالمصلحة الحقيقية للأنا تمر عبر مصلحة الآخر، وبالتالي فعلى اللبنانيين ان يدركوا عمق الترابط العضوي بين مصالحهم، وان هذا الترابط دائم وهو مفتاح لحمتهم.
والى ان يرتقي العمل السياسي الى هذه الدرجة من الوعي، تبقى الطبقة السياسية في لبنان خالية، عموما، من رجالات الدولة وحماة المؤسسات. فكثير من الموجودين، بالرغم من انهم تخضرموا وحازوا الالقاب الرسمية والوطنية، لم يتجاوزوا كونهم زعماء ميليشيات او ممثلي طوائف، ونادرا ما يخرجون في دائرة تحركهم عن المصالح الفئوية والشخصية، ليلامسوا بخجل الاهداف الوطنية الجامعة والمصلحة العامة.
ويبقى المستغبى في هذه الصراعات المواطن العادي الذي يتحمل اضرارها على حساب امنه ومعاشه وكرامته وحقوقه المدنية وامكانات وطنه ومستقبل اولاده، وهو مع ذلك كله “متأقلم” يتابع حياته. والخوف ان يصل به الحال ليكون مثل الضفدع الذي عندما وضع في مياه ترتفع درجة حرارتها تدريجيا ظل يفاخر بقدرته على الصبر والتأقلم مع ازدياد الحرارة حتى مات فصدق فيه القول: من الصبر ما قتل، واستوفى ملاحظة الامام الشافعي المشار اليها في المقدمة: “من استغضب فلم يغضب فهو حمار”.
(الكاتب رئيس سابق لـ”ـرويترز” الشرق الأوسط ومتخصص في القيادة الاستراتيجية من جامعتي هارفرد وبرنستون
الأميركيتين.
بقلم مايكل كولي