وتيرة النار وحمى الانقسام !
الثلثاء المقبل يوم دخول باراك أوباما الى البيت الابيض.
اذاً يستطيع المراقب ان يغامر في القول إن البرابرة في تل أبيب سيسعون الى وقف المحرقة في غزة أو الى التخفيف من سعيرها الذي أحرق البشر والحجر في ذلك القطاع المنكوب الذي صار أرضا محروقة.
يستطيع المراقب ان يغامر مرة ثانية في القول إن تسيبي ليفني قد تنجح في دفع مساعي الحل نحو صيغة تناسب العدوان، بمعنى الحصول على ضمانات اميركية وألمانية وربما تركية لمراقبة المعابر ومنع دخول الاسلحة الى غزة على أساس اتفاق يشكل مزيجا متجانسا من "المبادرة المصرية" وقرار مجلس الامن رقم 1860.
هذا يعني ان فصول المذبحة قد تتوقف بداية الاسبوع المقبل، مما يدفع الى الحديث عن الانتصار الاعجازي على اسرائيل، وهو ما يكرره خالد مشعل الذي يتحدث عن تمريغ أنف الصهاينة وعن صناعة تاريخ جديد سيكون مختلفا عن الوضع قبل بداية الجنون الاسرائيلي المطبق.
هل هذا يعني في مجمله أننا سنكون أمام صيغة للهدوء في غزة تشبه الصيغة التي يمثلها القرار 1701 في جنوب لبنان؟
ربما، ولكن الى أين يمكن ان يقود هذا الوضع الجديد إن لم يقد الى هدنة طويلة لا تنطوي على تسوية أو حل، وهي هدنة بالكاد تكفي لدفن الشهداء وتضميد الجروح واعادة الاعمار لايواء عشرات الآلاف من العائلات التي فقدت منازلها بعدما فقدت الأعزاء من أبنائها؟
إعادة الاعمار؟
لا ندري عن أي اعمار يجب ان نتحدث. عن إعمار الاحياء والبيوت والارزاق وهو أمر ممكن، أم عن إعمار التضامن العربي وهو أمر يقارب الاستحالة، وقد وصلنا الى مرحلة التراشق بعقد القمم بعد التراشق بالاتهامات؟
❒ ❒ ❒
ثلاث قمم متلاحقة. قمة دول الخليج التي كرست مأساة غزة موضوعا محوريا في قمة الكويت التي كانت مقررة قبل بدء العدوان. وقمة الدوحة، طارئة بمن حضر او تشاورية بين الحضور لا فرق، وقد أنجزت "تجميد" قطر وموريتانيا العلاقات مع اسرائيل وهو تجميد ليس واضحا الى متى يستمر. ولم يكن من المعقول ألا يحصل وخصوصا في ظل الدعوة الى اغلاق السفارات وقطع العلاقات وايقاف المفاوضات، كما فعلت دمشق، وكذلك الى اعتبار "المبادرة العربية للسلام" ميتة. وليس في هذا الانقسام العربي غير المسبوق ما يبشر بأننا نملك لمواجهة النازيين الجدد في تل أبيب عدة القتال وجبهاته وارادة القتال قبل كل شيء.
❒ ❒ ❒
الانقسام العربي؟
وماذا نقول عن الانقسام الفلسطيني، حيث لم تكن السلطة الفلسطينية حاضرة في قمة الدوحة، بينما حضرت "حماس" التي كان وفدها غارقاً في مفاوضة المصريين حول المبادرة، بينما بعض الاصوات يرتفع من شاشات التلفزة داعيا الى اسقاط النظام المصري وأنظمة الاعتدال العربي!!
نعم، أنظمة الاعتدال التي تتعرض للاتهامات والتخوين، وقد قرر ممثلوها أمس في اجتماع وزراء الخارجية العرب في الكويت، تحضيرا للقمة، بذل كل المستطاع لوقف العدوان وإعادة الاعمار. ومن المفهوم أن تكاليف الاعمار تأتي عادة من هذه الدول التي تتعرض للادانة وحتى للتخوين!
❒ ❒ ❒
في أي حال لا ندري اذا كان الرئيس ميشال سليمان قد صلب المسيح لكي يرتفع الصراخ ضده وضد عهده الوفاقي، في خلال التظاهرة أمام السفارة الاميركية أول من أمس، حيث طالب بعض المتظاهرين باستعادة زمن البؤس والمآسي.
ولكن كان من الواضح تماما ان عناصر مدسوسة دخلت بين المتظاهرين بهذه الهتافات، ليس لأن سليمان اشترط قمة اجماعية ليذهب الى الدوحة، بل لأنه سبق ان ذهب الى الجنوب وقال كلاما حازما ومسؤولا عن رفض جرّ لبنان الى الحرب، وهو يتفقد الحدود بعد انطلاق الصواريخ التي أرادت زجَّ لبنان في المعركة وفتح جبهة جديدة، الأمر الذي كان "حزب الله" قد عارضه صراحة.
ربما كان على الذين هتفوا ضد سليمان ان يقرأوا بعناية كلمته المقتضبة ولكن الواضحة والصريحة والعالية والمسؤولة أمام قمة الدوحة، حيث دعا الى "وقفة ضمير واعية وارادة كبيرة" أمام هول ما يجري في غزة، وهذا يفرض "أن يجتمع شمل العائلة العربية لمواجهة هذا العدوان (…) لأن وحدة الصف كفيلة اضعاف آلة القتل الاسرائيلية".
❒ ❒ ❒
واذا كان الرئيس السوري بشار الاسد قد دعا في خطابه الى اغلاق السفارات وقطع العلاقات ودفن "المبادرة العربية للسلام"، فان الرئيس اللبناني، الذي تحدث مباشرة بعده، دعا الى وجوب التوافق على "استراتيجية عربية شاملة وموحدة لمواجهة التحديات وإلزام العدو تطبيق المبادرة العربية للسلام"، بما يعني ان المشكلة ليست في المبادرة وانما في الانقسام العربي الذي يفقدها زخمها وفاعليتها.
لقد بدا سليمان أكثر حرصا على التضامن العربي عندما قال إن قمة الدوحة يجب ألا تظهر كأنها تكريس للانقسام العربي، وانه "اذا لم نتمكن من تحقيق التضامن تنجح اسرائيل في تحقيق مآربها بتعميق الخلافات بين الفلسطينيين والعرب…".
ولكن هل هناك من يريد ان يصغي الى مثل هذا الكلام وسط دوي العدوان ودوي الغضب والألم… ودوي الخطب والتصريحات والميكروفونات؟