ذلك أن نصرالله، وكعادته عندما يتناول القضايا الاقليمية والدولية، يرسم صورة للبنان آخر لا يعرفه أحد من اللبنانيين ولا حتى من العرب. وأبعد من ذلك، فانه يضع اللبنانيين أمام هذه الصورة من دون أن يترك لهم حرية الاختيار أو الرفض، قائلاً لهم حتى من دون أن يقول علناً: “هذا هو “لبنان” الذي لا لبنان غيره، لا الآن ولا في أي يوم في المستقبل المنظور”.
ومن هذه الزاوية، يصبح تفصيلاً لا جدوى منه أي كلام على تشكيل الحكومة العتيدة، أو على الانتخابات النيابية أو على قانون الانتخابات، لأن “لبنان” الحزب والسيد حسن موجود في مكان آخر، وحتى في عالم مختلف.
هذا الـ “لبنان” المتخيل ليس سوى صديق لـ “سوريا الأسد”، أي لسوريا النظام المتوارث من الأب الى الإبن، وهو الى جانب أطراف أخرى (ايران وروسيا والصين وكوريا الشمالية) لن يسمح بسقوط هذه الـ “سوريا” مهما كلفه الأمر، وبغض النظر عن العدد الهائل من التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والطائفية والمذهبية، التي يواجهها في هذه المرحلة من تاريخه والتي تهدد حتى وجوده كوطن ودولة وشعب. وعلى طريقة بشارالأسد نفسه، الموروثة قولاً وفعلاً عن والده، فان “سوريا” هذه تبقى ما بقي نظامها وتزول اذا زال: “الأسد الى الأبد”، تقول اللافتة المتوارثة، و”الأسد أو نحرق البلد” تقول زميلتها الأخرى، لتشكلا معاً الترجمة الفعلية لما يعانيه شعب هذا البلد من تدمير وتهجير وابادة جماعية منذ أكثر من عامين حتى الآن.
ولا دور لـ “لبنان” السيد حسن كما يراه، وأياً كانت آراء اللبنانيين وطبيعة العقد الاجتماعي في ما بينهم منذ الاستقلال وحتى الميثاق الوطني الذي أقيم الكيان اللبناني على أساسه، الا حماية نظام الأسد هذا ومنعه من السقوط.
لماذا؟. لأن سوريا نفسها ستسقط بسقوطه، كما قال السيد حسن، ولأن البديل سيكون اما الولايات المتحدة واسرائيل واما الجماعات الأصولية والتكفيرية. والمعنى هنا لا يحتاج الى من يقوله: لا سوريا في التاريخ أو الجغرافيا الا “سوريا الأسد” من جهة أولى، ولا شعب يعيش على هذه الأرض (فضلاً عن حقوق له) بل مجرد مطامع للولايات المتحدة واسرائيل والجماعات التكفيرية من جهة ثانية.
ومن نافل القول ان هذه ليست سوريا التي يعرفها السوريون واللبنانيون فضلاً عن العرب وشعوب العالم، كما ليس هذا هو لبنان الذي يعرفه اللبنانيون والسوريون وغيرهم من العرب وشعوب العالم.
هكذا يكون لسياسة “النأي بالنفس” التي قيل ان حكومة السيد حسن، حكومة تصريف الأعمال الحالية، قد اعتمدتها خلال الفترة السابقة، معنى “النأي بالنفس” عن كل ما قام به “حزب الله”، ولا يزال حتى الآن، في داخل الأراضي السورية دفاعاً عن “الصديق”، وحتى حماية للبنانيين يعيشون في بعض قراها ولمزارات مثل مزار السيدة زينب، تحت حجة أن هذه هي سياسة الدولة في لبنان. وتكون لسلاح الحزب، الذي يقال منذ أعوام انه يخضع لما يسمى “استراتيجية وطنية للدفاع” قيد البحث ولمقولة “الجيش والشعب والمقاومة”، وظيفة لا علاقة لها لا بالدفاع عن لبنان ولا بردع العدو الاسرائيلي، انما بالدفاع عن نظام الأسد وبردع الشعب في سوريا عن المطالبة بحقوقه.
وليست المسألة هنا أن الحزب اعترف (أو لم يعترف، كما كانت حاله سابقاً) بمشاركته في القتال مع قوات الأسد ضد شعبه، ولا أنه سقط له ألف أو أقل في هذا القتال كما قال نصر الله ساخراً، بل أن ذلك يتم باسم لبنان ودفاعاً عن شعبه و”المقاومة” فيه بحسب نعي الشهداء وخطب المشيعين في الجنازات…وكلهم نواب في برلمانه أو وزراء في حكومته.
ولا هي أن الحزب لن يسمح بسقوط نظام الأسد (كيف، وبأية وسيلة، وبأية أثمان؟!)، ولا أن سوريا بعده ستكون اما أميركية أو اسرائيلية أو تكفيرية وارهابية، ولا أن دول “البريكس” ـ مثلها مثل “حزب الله” ـ صديقة له وستقف بكل قواها الى جانبه، بل ان لبنان الشعب والأرض والدولة ـ مثله مثل سوريا الحالية ـ هو من سيدفع الثمن في النهاية.
هكذا يكون حسن نصر الله قد حدد هوية هذا البلد ورسم حدوده السياسية، ليصبح لنا “لبنان نصرالله” على الطريقة نفسها كما بالنسبة الى “سوريا الأسد”.
وتأسيساً على ذلك، تصبح مسائل مثل تشكيل الحكومة أو اجراء الانتخابات أو الاتفاق على قانون انتخابي، أو حتى حل مشكلات البلد السياسية والاقتصادية والمحافظة على وحدته الوطنية، من نوع التفاصيل التي لا يهتم بها الحزب (ولا يتحدث عنها نصرالله طبعاً) باعتبارها أمراً واقعاً لا جدال فيه.
فـ “لبنان نصرالله” مجرد بلد مقاوم لاسرائيل والامبريالية الأميركية والغربية، وممانع للتسوية التي يسميها استسلاماً، وهمه ألا يسمح مهما كانت التكاليف بسقوط زميلته “سوريا الأسد”… وكل ما عدا ذلك تفاصيل وشكليات.
…ومن لا يعجبه هذا الـ “لبنان”، يمكنه أن يفعل ما يريد… أو يملك أن يفعل!.