#adsense

إستجرار الحرب

حجم الخط

عندما استفاقت الشعوب المقهورة وهزّ كرامتها التمرّد، إندلع الربيع العربي لإسقاط الأنظمة الجائرة التي أمّنت استمرارها بقمع الحريّات وتحويل الناس مُصفّقين آليّين بحكم الخوف. وقد ظنّت هذه الأنظمة أنّ الحِراك الشّعبي ما هو سوى فورة آنيّة يمكن إخمادها، كما دوماً، بالقوّة فوقعت في الخطأ الكبير. لكنّ ردّة فعل الأنظمة الإضطهاديّة، ولا سيّما نظام آل الأسد، لم تكن في الواقع إلاّ سلوكاً يعبّر عن نوعيّة السلطة التي تمادت في إجرامها بحقّ مَن أودعتهم في سجنها الكبير والمُسمّى وطنهم.

لقد خلّع “الربيعيّون” في سوريا ركائز الحكم الإستبداديّة والتي باتت غير مُحصّنة، إذ فقدت شرعيّتها بفقدها تأييد مواطنيها، وأطاحوا بالشعور بالعجز، وأسّسوا ديناميّة التحدّي وثقافة المواجهة،وعاشوا المزاج الثّوريّ في تظاهرات سلميّة غير مسبوقة، فأُصيب النظام، ولأوّل مرّة، بالنكسة. وهو لم يغتنم فرصة مدّ اليد للحوار السّلمي الهادف الى الإصلاح والعدالة والمشاركة، بل أشعل حرباً في وجه نزوع الناس الى الحريّة، مُضيفاً الآلام الى مشروع النقلة من الثورة الى الدولة. وتراكمت أعداد الضحايا في تطوّر دراماتيكي على مستوى استعار العنف والوحشيّة ،ما أدّى الى مزيد من راديكاليّة المُواجِهين الذين أُجبروا على الإنخراط في الحرب.

ومع التطوّرات الميدانيّة وانقلاب المُؤيِّدين مُعارِضين وانفلاش بساط الثورة فوق تراب الوطن بأسره ، برزت مؤشّرات توحي بأنّ عصر المُستبِّدين شارف على الأفول. لكنّ هؤلاء لم يكن أمامهم سوى الصّراع من أجل البقاء، أو من أجل مَن تبقّى منهم ، فكانت حربهم ” عليّ وعلى أعدائي”. ولما لم تجد السلطة السورية نفسها في موقع القابض على مسار الوقائع في الداخل، وأيقنت أنّ قلعتها المَنيعة باتت وهماً، استدعت حلفاءها المُمانِعين من لبنان ليمنعوا انتصار الثورة وليمنعوا اندحار مَن أوهم العالم بأنّه رمز التصدّي. ودخل هؤلاء علناً في قتال ضدّ الشعب، قتالٍ وصّفوه بالواجب الوطني والأخلاقي.

إنّ التورّط العسكري في الميدان السوري لا يمكن اعتباره، بحال من الأحوال، واجباً أخلاقيّاً أو وطنيّاً. فلو كان هذا التدخّل سلميّاً لتقريب وجهات النّظر بين الفريقين المتقاتلين، ولحثّهما على إيقاف نزيف الدم المتمادي، ولرعاية حلّ يعمل أولاً على شلّ شلاّل الضحايا وحركة الدمار، ما يعني تدخّلاً إنسانيّاً بحتاً، لكان وصفه بالأخلاقي مقبولاً من دون معارضة. ولو كان التدخّل ليس، في الواقع، إشارة الى رغبةً حزباللاويّة في مؤازرة السلطة السورية في حرب إبادة لشعبها، ولا يستهدف مواجهة عسكريّة مع الشريحة العُظمى من الشعب الثّائر، ما يستتبع ردّة فعل إنتقاميّة لا يمكن توقّع حجمها، وضدّ الداخل اللبناني تحديداً، أي استجرار الحرب السوريّة الى لبنان، وبشكل مجّاني، لكان اعتبار التورّط تدخّلاً وطنيّاً وأمراً لا يحتمل الرّيب.

إنّ النسيج اللبناني الواعي والذي يتمتّع بالحدّ الأدنى من التعقّل، لا يمكن له أن يتعاطى مع تورّط حزب الله في الشأن السوريّ بطريقة هامشيّة، هذا التورّط الذي استنبت لاعبين عنفيّين على الساحة، ووضع لبنان على مُنعَطف تفجيريّ كارثيّ. ذلك أنّ الخطر المُرتَقَب لن ينسحب على حزب الله فقط بل يتمدّد ليشمل اللبنانيّين جميعاً، وطناً ودولةً وكياناً ومستقبل أجيال. فهل بمقدور حزب الله أن يعود الى قرار النأي بالنفس العقلانيّ، فلا يتحمّل مسؤوليّة تفجير لبنان وقرار زجّه في أتون الصّراع المذهبي التراجيدي، ليسدّد فاتورة “شكراً سوريا” الأخلاقيّة والوطنيّة، وليحصل بالتالي على إفادة حسن سلوك في التّبعيّة لإيران؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل