|
|
||||||
عبثاً يحاول اللبنانيون البحث في الكتب أو على شبكة الإنترنت عن تفسير لأضغاث أحلام “باسيلية” عن النفط والغاز والقطارات والسدود والكهرباء، لكنهم وجدوا ضالتهم أخيراً في الرسوم الخرافية. من قلة الحقائق في الجمهورية اللبنانية، يروق للبعض أن يتخيل أوهاماً ويعمّمها ويؤرّخ لقصة “اللبنانيون في بلاد العجائب” لسبع سنوات مقبلة. واللبنانيون أيضاً لهم أحلامهم وهم غير مرغمين على “تقمّص” تخيلات وزير الطاقة والمياه في الحكومة المستقيلة جبران باسيل المجسّدة في كتيّب أنتجته وزارة الطاقة تحت عنوان “حلم وطن”.
سبع سنوات تفصل بين الحلم والوهم، أي منذ اليوم وحتى العام 2020، و”الحبكة” معروفة التوقيت والنتائج، فالظرف مناسب للدعاية الانتخابية، والأموال المرصودة لإطلاق مشاريع السدود والمناقصات من خزينة الدولة وبالتالي من جيوب اللبنانيين تكفي لإنتاج كتب ويمكن فيها شراء حلم بدل الحلم، وبالتأكيد يمكن شراء نفط أسود في بحر أبيض.
ومَن مِن اللبنانيين لا يتذكر سلسلة مغامرات “تان تان وميلو” الكرتونية التي اشتهرت بداية عبر الكتيّبات الصغيرة ومن خلال الـbande dessinee أو BD ثم تحوّلت الى الشاشات الصغيرة والكبيرة. “تان تان” المكتشف الذي يجول العالم مضحكاً الأطفال ببحثه عن حلول للقضايا الصعبة، وهل هناك أكثر عسراً من القضايا اللبنانية؟ لكنّها لدقّتها حملت “تان تان” على الاستقالة مسلّماً مهماته على المستوى اللبناني لوزير الطاقة الذي يبني أحلامه على أوراق ويبني قصوراً من رمال!
إنها تخيلات والد مجسّدة في 34 صفحة “يؤرّخ” فيها الوزير لرحلة قام بها بنفسه مع ابنه من البترون إلى المنطقة الاقتصادية الحرة مروراً بدواخين الذوق. القصة المصوّرة والملوّنة غالبية صورها بالأصفر والأورنج، فكلّ العناصر يمكن تبديل ألوانها إلا المياه والسماء الزرقاوان والعشب الأخضر. ويؤدي الوزير مع ابنه دور البطولة في القصة لكن يبقى الدور الأساسي للوزير، علماً أنه لا يوجد أي منافس للبطولة في القصة كلّها، على الرغم من ظهور وزير طاقة لم يُذكر اسمه في أي من مشاهدها، إلا أن دوره مغيّب وملامحه كذلك مجهولة، فالحلم يُظهر كل الأحداث بتفاصيلها إلا الوزير الذي سيتابع مسيرة باسيل…
“الدنيا ربيع والجوّ بديع” يوم السبت الواقع فيه 2 أيار 2020، وإذا بالنفط والغاز قد استُخرجا، والسدود قد نشُط عملها ومعامل الكهرباء تغذي كل لبنان… فالدراسات التي قام بها باسيل في مراكز الأبحاث بيّنت أن العمر الافتراضي لإقامة كل هذه المشاريع هي سبع سنوات، حافظاً لنفسه مكاناً لسبع سنوات مقبلة “مسمّراً” على مقعده الوزاري الحالي على رأس الطاقة.
والعالم الذي يجول فيه باسيل مع ابنه هو عالم من الخيال لا الأحلام، من يطّلع عليه يحسب أن الوزير وجد الفانوس السحري وهو ينقّب عن النفط على شاطئ لبنان فاستحال لبنان إلى “حلم وطن” بطلب من الوزير. إنه فانوس الوزير الذي جعل من خطوط الكهرباء تحت الأرض، والصيادون يلوّحون له، ومروحة هواء تنتج الكهرباء، محطة لتغوير الغاز السائل، مصابيح الطاقة الشمسية على الطرق، القطار الوسيلة الفضلى للنقل، سيارات الغاز أصبحت رائجة، الشواطئ عمومية والتعدّيات عليها ممنوعة، سدّ جنّة يغذي القبارصة بالمياه، استكمل تشييد 55 سداً، سرب من الطيور في الذوق، سكان الذوق الأعزاء بصحة أفضل الآن، مرفأ الدورة السياحي، محطة مترو بيروت، حقل بيروت الشمسي.
لكن متى سيلحق باسيل أن ينجز كل هذه المشاريع بعدما فاته قطار التوزير، فهو بالطبع لن يدوم وزيراً للطاقة في كل العهود، فالوزارة ليست ملكاً له أو لتياره… أحلام باسيل تخطّت كل المقاييس المنطقية بحيث إنه تمكّن من تعداد سكان لبنان في العام 2020 فحدده بـ7 ملايين نسمة! من أتى بهذا العدد واللبنانيون المهاجرون أكثر من الآتين؟ فما عجز عنه في سنتين في وزارة الطاقة سيتحقق بسحر ساحر في العام 2020، فصوّر باسيل نفسه كأنه باني لبنان في سبع سنوات، في حين أن المناقصات التي قام بها أفضت الى تعطّل “فاطمة غول”… فمن يُصلح ما أفسده التوزير؟ ومن يعيد الى اللبنانيين أموالهم؟
خيط رفيع بين الأحلام والأوهام واستغباء الرأي العام، أيظن الوزير باسيل بأن قصته ستكون مشوّقة للأطفال وتجذبهم بألوانها؟ وإن جرّب أحد اللبنانيين قراءة هذه القصة لطفله قبل النوم، تماماً كما قصة “ليلى والذئب” و”أليس في بلاد العجائب”، فإن الطفل سيسأل ألف سؤال وسؤال عن كيفية استخراج الغاز والنفط وبناء السدود وغيرها… فماذا سيكون ردّ الأهالي؟ وإن كان هؤلاء لا يملكون الإجابة الشافية لأن الوزير لم يشرح لهم التفاصيل لأنه إن شرحها فستكون القصة كلّها خيالية وغير واقعية، فكيف سيشرحون حبكة القصة إلى أولادهم؟ وسيعقّد باسيل الأمور إن قرر أن يجسّد قصة حياته تلك مع ابنه في فيلم، وخصوصاً إذا كان فيلماً ثلاثي الأبعاد من نوع “الخيال العلمي” كما تشير الترجمة العلمية من اللغة الفرنسية science fiction.
تنتهي القصة من دون أن تنتهي معاناة اللبنانيين، لكن القصة في الحقيقة انتهت قبل أن تبدأ لسبب بسيط ومعاش اليوم في لبنان وهو أن “فاطمة غول” بذاتها تعطّلت وهي بالكاد كانت قد بدأت مهمّتها. فالمكتوب يُقرأ من عنوانه، خصوصاً أن القصة تأتي بعد سنوات من الخطط والوعود، لم ينجح فيها باسيل في إضاءة حيّ ليوم كامل، فضلاً على أن إصلاح الأعطال المحلية كان يستغرق أياماً… لكن مرحلة تصريف الأعمال أعادت النشاط الى الوزير فآثر ألاّ يترك الوزارة من دون تأريخ مسيرته مطلقاً العنان لمدح نفسه تماماً ظناً أنه كتب الشاعر العربي أبو الطيب المتنبي بقوله: “أنا الذي نظر الأعمى الى أدبي / وأسمعت كلماتي من به صمم”، مستخدماً عبارات “الترقب والقلق والاعتزاز، ابتسم لولدي، عميق من الفخر، وقفتُ بتواضع (..)”.
وتكاد تقتصر القصة على جملة من النصائح والعظات والدروس والسفسطة “الغد رحلة أخرى يا ولدي، حافظ على المياه كحياتك يا بنيّ، افعل ما تؤمن به وآمن بما تفعله فالحياة إيمان وفعل، هذا ما كان مثل حياتي وهذه نصيحتي لولدي، إن طاقتك يمكنها أن تحوّل كل شيء في هذا البلد وجّهها بالاتجاه الصحيح.. باتجاه الأجيال القادمة، انشر الطاقة الإيجابية”… بهذه النصيحة أنهى الوزير كلامه.
شكلياً، يظهر جلياً بأن القصة موجّهة الى الأطفال، إذاً فإن النصائح هذه كلها تعني الأطفال بألوانها ورسومها. أما في ما خصّ المضمون فإن التفاصيل الدقيقة والعبارات المستخدمة لا يفقه منها الأطفال شيئاً. أما المليارات والغاز والنفط والسدود والدواخين والإنجازات فيفهمها اللبنانيون ويدركون ألاعيبها وخزعبلاتها.
فحبّذا لو يصطحب وزير الطاقة ابنه الى الجنوب اللبناني ليُريه كيف حرّر حليفه الممانع مزارع شبعا، أو الى بيروت ليُخبره كيف اجتاح حليفه نفسه العاصمة وهدّد سكّانها بالسلاح غير الشرعي في 7 أيار، أو الى الشمال مثلاً والبقاع ليدلّه على مخلّفات قصف عصابات الأسد الذي عانى منه البقاعيون والحكومة “خرساء طرشاء”، والى الطرق ليشرح له كيف أشعل حلفاؤه الدواليب احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي… ولم لا تكون الرحلة الى طاولة مجلس الوزراء التي تشارك الوزير فيها مع المنقلبين على الديموقراطية، وحيث نادى الوزير وتياره بإقفال الحدود بوجه النازحين السوريين الهاربين من بطش بشار الأسد قاتل الأطفال والنساء، والى الطاولة التي اجتمعت حولها لجنة التواصل النيابية من دون أن تخرج بأي مشروع سوى مشروع أصرّ عليه تكتل “التغيير والإصلاح” يقسّم البلاد ويفرز أبناءها بما يتناقض مع الدستور اللبناني.
فهل على اللبنانيين أن يعيشوا أحلام الوزير؟ وهل ينفع أن تؤخذ الأحكام من الأحلام؟ ربّما أفقدت الحكومة المستقيلة الشعب اللبناني الكثير من أمله لكنّها لم تجرّده من منطقه ليميّز ما بين الحلم والحقيقة، فحين يكونون بكامل وعيهم يوقنون بأن “العجائب” موجودة فعلاً ولن ينتظروا حتى العام 2020… عاش معالي الوزير اللحظة لكنه لن يجرّ معه اللبنانيين المتيقّظين. وحتى العام 2020، نوماً هنيئاً وأحلاماً سعيدة… يا ولدي!