#adsense

الحملة على سليمان وعباس: معالجة فراغين أمنيين

حجم الخط

الحملة على سليمان وعباس: معالجة فراغين أمنيين
بإفراغ الشرعية السياسية في بيروت ورام الله

دخل ميشال سليمان بوصفه رئيساً للجمهورية دائرة الاستهداف المباشر. الحملة عليه لا تتصل بغرام قوى الممانعة المفاجىء بالعمل العربي المشترك، هي التي نهض ركن اساسي من خطابها على قدح وذم مؤسسات النظام العربي. بل يمكن القول إن الضغوطات التي مورست عليه، وما خالطها من إهانات سياسية كتظاهرة يتامى حزب الوصاية في عوكر، كانت تعرف أنها تدفعه الى ما هو نقيض القمة العربية ونقيض العمل المشترك. فاجتماع الدوحة كان يراد له أن يكون في العمق تغطية لإنتحال الصفة الفلسطينية مرة من خلال محاولة فرض حماس كبديل عن الإطار السياسي الفلسطيني الشرعي اي منظمة التحرير الفلسطينية وأخرى من خلال صورة الرئيس الايراني أحمدي نجاد رافعاً شارة النصر في محاولة مكشوفة لدفن صورة الرئيس الراحل ابو عمار ورصيده. لكن القمة لم تعدُ كونها فقاعةً ومهرجاناً بدا فيه مثلاً صوت الرئيس السوري بشار الاسد اعلى بكثير من هدير المقاومة على جبهة الجولان.

وعليه فإن إستهداف سليمان اليوم يتصل بتهيئة مناخ لقرار سياسي إقليمي بإسقاط نتائج التوافق في لبنان اي اسقاط المشروعية السياسية وخلق فراغ مؤسساتي يعود بلبنان الى ما قبل إتفاق الدوحة. وبهذا المعنى فإن إستهداف سليمان هو إستهداف للنتائج العملية لإتفاق الدوحة بما هي عودة الى المؤسسات وإنتظام عملها. وهو استهداف يتصل أيضا بتهيئة المناخ لإدامة الإنقسام الفلسطيني والإمعان في منع اي حوار فلسطيني فلسطيني من التبلور. فليس من باب الصدف في شيء أن تتلاقى الحملة الإعلامية والسياسية على الرئيس سليمان مع حملة مماثلة على رئيس السلطة الفلسطينية وتخوينه كان اقلها ما قاله ممثل حماس في لبنان السيد اسامة حمدان. فهو اولاً خاطبه بصفة "من كان قبل وقت قصير رئيساً للسلطة الفلسطينية" قبل أن يتهمه بإنعدام "إحساسة بالمسؤولية" مشككاً في مدى "حرصه" على شعبه.
لماذا الحملتان؟

"حشرة" حزب الله

جاء إتفاق الدوحة في أعقاب إنقلاب السابع من أيار الذي كان بدوره الرد الايراني على النتائج الميدانية لحرب تموز والتي إنتهت بالقرار 1701، أي بالقرار الذي انهى عملياً اي إمكانية لنشاط مسلح في الجنوب منفرد وخارج إطار شرعية الدولة. فشل السابع من أيار في دفن القرار 1701. راهن الحزب على بيان وزاري للخلوص الى نفس النتيجة فخيضت معركة ضارية أسقطت إقتراح تضمين البيان عبارة "في كنف الدولة". إستبدلت بـ " حق لبنان بشعبه وجيشه ومقاومته…." في أولى متفرعات البند 24 من البيان الوزاري لتطوق هذه الجملة في ثاني متفرعات البند ذاته عبر التأكيد على "التزام الحكومة بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 بمندرجاته كافة". حزب الله أراد من هذه الجملة تعطيل القرار 1701 والقوى الاستقلالية ارادت من التأكيد على القرار 1701 تعطيل مفاعيلها.

ثم تأكد برم حزب الله بنتائج الحرب، على الرغم من "الإنتصار الإلاهي" إياه، حين وصف القرار 1701 بالظالم قبل اسابيع للمرة الأولى منذ حرب تموز، إذ كيف يستوي قرار ظالم هو التكريس العملي لنتائج الحرب مع الإنتصار المزعوم؟ أما في خلال حرب غزة فبدا جلياً حجم القيود التي تقيد طموحات حزب الله. البيئة الشيعية ارسلت أكثر من إشارة الى عدم رغبتها في جر لبنان الى الحرب. ثمة مواطنون رأيناهم على الشاشات يفرون من أهوال محتملة في أعقاب جولتي صواريخ الكاتيوشا. وثمة في الحراك السياسي للرئيس نبيه بري في أعقاب الجولة الأولى مباشرة ما يؤكد ان الأمر يتجاوز هذه المرة غريزة البقاء عند الأسوياء من أهل الجنوب الى متن القرار السياسي لاحد الحزبين الحاكمين للطائفة.

أزاء ما تقدم يمكن القول إن حرب تموز كرست في ما يعني ايران فراغاً أمنياً في الجنوب لصالح منطق الدولة وكرست الدولة لاحقاً من خلال المنطق السياسي للرئيس سليمان وحكومة الرئيس فؤاد السنيورة معنىً لا يستسيغه أدعياء التوافق. فهؤلاء ارادوا للتوافق ان يكون تعديلاً معجمياً لكلمة إخصاء. غير ان الرئيس سليمان كان اول من رفض تحويل الجنوب الى منصة اطلاق صواريخ معلناً هذا الموقف من الخطوط الامامية لجنوب لبنان فإتهم بأنه يقدم تطمينات مجانية للعدو. ثم جاءت مشاركته في إجتماع الدوحة لتؤكد ان الأمور تسير وفق منطق آخر لمنطق "توافقيو الاخصاء". لبنان يشارك تحت سقف الخيار الاستراتيجي للشرعية العربية وهي مبادرة السلام. ولبنان لا يعترف بقمة بمن حضر بل يشارك في الدوحة بما إعتبره لقاءاً تضامنياً مع غزة.
بلغت "الحشرة" اقصاها ففتحت النيران على سليمان.

حشرة غزة

من الواضح ان صفحة غزة تطوى على هزيمة عسكرية وسياسية وشعبية لحماس وعلى كارثة فادحة في الارواح والعمران والإجتماع في القطاع. لكن الأوضح أنها تطوى ايضاً على خسارة إيرانية مدوية عبر خسارة واحدة من أهم قنوات الإختراق في الموضوع العربي الأكثر مركزية أي القضية الفلسطينية. وليس خافياً أن طهران كانت تراهن على ولادة التباس يسمح لها بتكرار نصر الاهي جديد. بالامس فقط خاطب خامنئي رئيس الحكومة الفلسطينية المقالة إسماعيل هنية بالقول "انتصاركم ومقاومتكم في هذه الايام ستقود العدو الى مزيد من الهزائم". لكن الواقع الميداني والسياسي يشير الى انه لا معطيات جدية تسمح بمثل هذا الالتباس الا إذا إعتبرنا أن "إفناء غزة" كرمى لإثبات رجاحة وجهة نظر السيدين خالد مشعل وإسماعيل هنية هو خيار سياسي وجماهيري فلسطيني.

فالواضح أن ولادة الحل لن تكون عبر حماس التي لم تمتلك منذ بداية المعركة الا خطاباً غيبياً أفقه الجنة … وهذه، بداهةً، بوابتُها الموت العميم. كما لم تمتلك مشروعاً سياسياً أو مطلبياً يستأهل أن ينزل بالغزاويين ما نزل بهم الا اذا كان المشروع الفعلي لحماس هو إستدعاء الاحتلال الى ارض تم تحريرها بالفعل وهذا ما لا يقره منطق او يقبله عقل. هذا ليس للقول إن استقلال غزة لم يكن يحتاج تطوير وتحسين لشروطه وهذا ليس للقول إن الصلف الاسرائيلي مما يمكن استيعاب تبعاته بيسر. لكن ما تقدم كان ادعى لأن تتصرف حماس بوعي اكبر وبمراهقة اقل وان تتنطح لشؤون المشروع الوطني الفلسطيني وفق معادلة حماية الدم الفلسطيني بدل ثقافة الاحتماء به على نحو ما ظهر جلياً في هذه المعركة.

مرة أخرى. خسرنا كل هؤلاء الفلسطينيين وخسرنا كل هذا الرصيد من وحدة الموقف الوطني الفلسطيني على الاساسيات وخسرت ايران احد اهم عناصر مشروعها التوسعي والاستثماري في قضايا المنطقة ودم شعوبها.

وعليه، بات المشروع الايراني امام فراغين امنيين واحد في الجنوب وآخر في غزة سيرد عليهما حتماً بفراغين في الشرعية السياسية في رام الله وبيروت. الحملة على سليمان تمهد ربما لإنسحاب من الحكومة يعيد خلط الاوراق من جديد ويزود ايران بازمة جديدة تفاوض بها على ازمتها مع المجتمع الدولي والهجوم على عباس هو للمضي في منع المصالحة الفلسطينية حماية لبقايا الاختراق وإصراراً على خلخلة حصانة الاعتدال العربي.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل