#adsense

استهداف مفاصل حربية وتقريب وقف القتال

حجم الخط

الغارات الاسرائيلية على أهداف عسكرية متنوعة في سوريا وخلال يومين متتاليين استهدفت توجيه رسالة الى الحكم السوري بان سلاح الجو هو بالفعل لمواجهة اعداء أي بلد وليس لاستهداف المواطنين.

معلوم ان العلاقات السورية – الاسرائيلية منذ وقف القتال في الجولان عام 1973 والتوصل الى اتفاق فك اشتباك في رعاية هنري كيسينجر وبموافقة الرئيس الراحل حافظ الاسد لم تشهد صدامات في أي وقت، مع ترتيبات لاهالي الجولان العرب، للدراسة في الجامعات السورية اذا ارادوا.

المجال الجوي السوري اخترق مرة السنة عام 2012 عندما دمر الإسرائيليون ما ادعوا أنه مرتكز لانجاز اختبارات نووية، وثلاث مرات في 2013، سبقت احداها الضربتين الأخيرتين ببضعة اشهر واستهدفت، على ما افادت مصادر اسرائيلية، شحنة صواريخ من سوريا الى “حزب الله” في جنوب لبنان.

ردود الفعل على الضربات الاخيرة تبعث على التساؤل. الدول العربية العاجزة عن ايقاف القتال انتقدت بشدة الاعتداء الاسرائيلي، وطالبت بانعقاد مجلس الامن للنظر في نتائج هذا الاعتداء وسبل وقفه. وكان من الملاحظ ان سوريا لم تطلب امراً كهذا. وروسيا اعتبرت ان الغارات تعقد الصورة التي تحتاج الى معالجة سريعة، وايران عرضت خدماتها لتدريب الجيش السوري على المواجهة، وكأن خبراءها العاملين في سوريا عاجزون عن الاضطلاع بهذا الدور. بالطبع الولايات المتحدة اعلنت انها تعاضد كل خطوة تعزز امن اسرائيل وتضعف “حزب الله”.

بعد كل ذلك، لا بد من القول ان الغارات فتحت أبواب الحوار، وقربت وجهات النظر بين روسيا بوتين، والرئيس الاميركي. ومصلحة روسيا كما مصلحة الولايات المتحدة هي في الحيلولة دون تفشي النزاع وانتشاره في البلدان القريبة، وتركيا توصلت الى تفاهم مع الاكراد يحررها من التخوف من ردود الفعل الكردية في سوريا على أي تدخل عسكري قد تقدم عليه اذا خشيت اجتياحات اضافية للجيش السوري النظامي لمناطق سنية.

لقد اصبحت سوريا المثخنة بالجروح والتدمير الواسع والانتهاكات المخيفة، ارضاً لا بد من انقاذها من نفسها، وتالياً يبدو ان التفاهم الاميركي – الروسي افسح في مجال توقع انهاء القتال خلال شهر او شهرين على الاكثر، ووضع خطة لاعادة الحياة الطبيعية تدريجاً الى سوريا واهلها، وهذا امر يرجوه كل انسان ذي عقل وضمير، على رغم ان هاتين الصفتين قلما توثران في المجال السياسي.

استعادة سوريا السلام في اراضيها وبدء عملية اعادة الاعمار أمر يبعث على التفاؤل بمستقبل لبنان لاكثر من سبب، وهذه النتيجة مرجوة انسانياً قبل ان تكون الهدف الاقتصادي، لكن مجالات اعادة البناء والتكامل والتعاون بين اللبنانيين، ورجال الاعمال السوريين المقيمين في لبنان، والهيئات الراعية لاعادة بناء سوريا لا يمكن حصر منافعها للبلدين، وان يكن في الامكان التأكيد ان احلال السلام، او وقف القتال نهائياً في سوريا، امر يعود بفوائد جمة على لبنان، والسؤال لماذا

اولاً: المصارف اللبنانية العاملة في سوريا، أي المصارف الخاصة التي تأسست بمبادرة من مصارف لبنانية وبمشاركة سوريين من اصحاب الاموال والاعمال، شكلت الذراع الرئيسية لتمويل المستوردات، واصدار الكفالات، وتطوير كفايات العاملين في القطاع المصرفي الخاص في سوريا.

وقد تكبدت هذه المصارف خسائر ملحوظة لم تمنعها من الاستمرار في عملها والتزام القوانين بدقة، وهذه المصارف كما شركات التأمين التي جذورها لبنانية واسست لها فروعاً في سوريا، سيكون لها الدور الاول في استيعاب تدفق الاموال لتمويل مشاريع اعادة الاعمار كما فتح الاعتمادات لتغطية الحاجات الاساسية الغذائية والكسائية والتجهيزية للاقتصاد السوري.

ثانياً: هنالك مشاركات لبنانية – سورية في مشاريع صناعية منها ما يتعلق بصناعة الحديد والصلب، والمشروبات الغازية والمائية، ووسائل الاتصال، وصناعات المشروبات الروحية وصناعة المفروشات، وصناعة النسيج وانجاز الملابس.

ان جميع هذه المشاريع، إمّا توقفت عن العمل وإما اضطرت الى تقليص ساعات عملها بسبب عدم توافر الكهرباء والمازوت، ولا شك في انها ستستعيد نشاطها تدريجاً، وستكون هنالك فرص عمل ملحوظة لفنيين لبنانيين وسوريين مهجرين.

ثالثاً: من المعلوم ان هنالك عدداً ملحوظاً من شركات التعهدات التي يملكها سوريون نشطت في لبنان وساهمت في تطوير الابنية المفرزة للتملك الخاص، وهذا النشاط ادخله السوريون الى لبنان، كما هنالك عدد من الشركات التجارية في لبنان نشأت وتطورت بجهود رجال اعمال سوريين، منهم من تلبننوا وسيكون هنالك مع منافع اعادة الاعمار في سوريا تآزر لبناني – سوريا انتج منافع كبيرة للبلدين منذ سنوات.

رابعاً: مآسي المهجرين سوف تبدأ بالتحسن تدريجاً وخصوصاً اذا تم وقف الاقتتال خلال شهر او شهرين، فيكون الطقس لا يزال دافئاً، ومعالجة حاجات المهجرين لا بد ان تحوز مساعدات اضافية، وقد توافرت مساعدات كهذه من الاتحاد الاوروبي، والولايات المتحدة، وهيئات الامم المتحدة، وان تكن غير كافية.

خامساً: اعادة الاعمار في سوريا، حيث الدمار يفوق التصور، لا بد ان تستوجب جهود آلاف الفنيين، من غير العاملين على الارض، ممن يجهزون مشاريع البناء، ولا بد من وجود المكاتب الفنية في مناطق تسمح بممارسة العمل المنتج، ولبنان هو البلد الاقرب جغرافياً، والبلد الذي يضم من السوريين المعطائين واللبنانيين من ذوي الاختصاص العدد الاكبر.

واخيراً ابناء العائلات السورية سيحتاجون الى متابعة الدراسة، ولا شك في ان عشرات الآلاف من التلامذة لن يستطيعوا استعادة مراكز دراستهم، وسيكون من الضروري واللازم تأمين التعليم المناسب لهم، ولبنان، كما الاردن، يحوز مدارس ومعاهد يمكن ان تستوعب القسم الاكبر من هؤلاء، ولو لسنة او سنتين.

ان اعادة بناء سوريا، مادياً وبشرياً، يمكن اعتبارها من تحديات القرن الحادي والعشرين، ومسؤولية المجتمع الدولي، كما المؤسسات العربية، واضحة، وليس هنالك من مرتكز للانطلاق التعميري يماثل لبنان في المنطقة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل