لا شيء يثير العجب هذه الأيام أكثر من بشار الأسد، فالرئيس السوري باح لزوّاره بمكنوناته، إثر الغارة الإسرائيلية على دمشق، بالإعلان أنه يريد “انتقاماً استراتيجياً” و”تحويل سوريا إلى بلد مقاومة” لتبرير عدم رده على العدوان الصهيوني الذي استهدف الأراضي السورية، وبما أنه مشغول بقتل شعبه، إلى حد “الاستعانة بصديق” من الدولة المجاورة أي “حزب الله”، كونه رديفاً للنظام البعثي “وليس حليفاً فقط”، ولم ينقض الأمر عند هذا الحد، بل وصل حد التماهي مع “الحزب الإلهي” إلى إعلان “غضنفر” وبالحديث الشعبي “أرنب”، قرار تحويل سوريا إلى دولة مقاومة تشبه “حزب الله”؟!
خطاب ممانع الى أقصى حدود الممانعة، يطرح السؤال أين كانت ممانعة سوريا ومقاومتها للعدو الصهيوني طوال ما يفوق الأربعين سنة، ماذا كان يفعل النظام إذاً طوال هذا الوقت، يسكت جبهات القتال مع إسرائيل في الجولان ويفتح جبهات حرب في لبنان والعراق، ويدعم الإرهاب ليخرب دولة هنا وهناك في المنطقة، وهو اليوم يتهرّب من واجبات التصدي لعدوان إسرائيلي على أرضه، ويحول هذه المهمة إلى “حزب الله”، بعد أن حوّل له في السابق مهمات عسكرية أخرى للدفاع عن مقامه وموقعه في القصير وحمص وحلب ودمشق، هراء ما بعده هراء، هذا ما أصبح يدركه الجميع، وهو دليل على أن الأسد يلفظ أنفاسه الأخيرة، وبدل أن يتلو الشهادة وفعل الندامة ليسامحه الله على جرائمه، ها هو يستنجد بـ”حزب الله” الذي لا يستطيع إنقاذه مهما بلغت استعراضاته العسكرية وحكايا بطولاته في المقاومة التي فرغت من معانيها مع توجهه لقتل شعب آخر يسعى إلى الحرية والديموقراطية ويقاتل باللحم الحيّ نظاماً فاشياً وديكتاتورياً يعيش أوهام النصر ومجرم حرب يحيا على دماء الأطفال والنساء والشيوخ.
ها هو الأسد يسقط ويسقط معه خديعة “المقاومة” وحزبها الفارسي، هذا الكلام لا يقلل من مخاطر ما قاله الأسد، إذ يعتبر أنه إعطاء ضوء لـ”حزب الله” للقيام بعمل عسكري ما، حفاظاً على مصداقيته، إلا أن الشارع في بيئته الحاضنة لا يوافقه الرأي، والأهم أن النظام السوري لن تعود إليه هيبته إذا خاض “حزب الله” معركته ضد إسرائيل، على الرغم من الإشارة الإيرانية الواضحة بأن المقاومة سترد.
يقول عضو كتلة “المستقبل” النائب عمار حوري إن طموح الأسد بدولة مقاومة تشبه “حزب الله” “يعكس جو القتال التراجعي الذي يخوضه النظام في مواجهة الشعب السوري وهو محاولة لرفع معنويات النظام المنهارة، والذي كان يتوقع بالحد الأدنى أن يقوم ولو بالرد الكلامي باتجاه العدو الإسرائيلي وهذا ما لم يحدث”.
ويضيف: “عموماً من لم يتمكن ولم يرد أن يطلق رصاصة واحدة باتجاه العدو الإسرائيلي طيلة أربعين سنة لن يتغير فيه شيء في خلال الفترة المتبقية من عمر نظامه”.
أما بالنسبة إلى عضو كتلة “القوات اللبنانية” النائب شانت جنجنيان فإن “وحدة الحال التي أعلنها الأسد مع “حزب الله” قائمة”، ويقول: “الأسد حر في أن يقاوم إسرائيل على أرضه، لكن نرفض أن يأخذ النظام الشخصي العائلي لبنان إلى محاور إقليمية وصراعات، لأن لبنان دفع الثمن، لا سيما في حرب تموز، هذه الفاتورة التي يريد الأسد تحميلها لنا، أكبر من قدرة لبنان على تحملها”.
ويؤكد أن “اللبنانيين يرفضون زجهم في حروب إقليمية من قبل الأسد أو “حزب الله” ونرفض أن يحكم سلاح هذا الحزب القرار اللبناني، فالصراع كبير في المنطقة وعلينا التطلع إلى مصلحة لبنان أولاً”.
ويشير إلى أنه على الدولة اللبنانية ضبط تحركات “حزب الله” ولجمه عن تدخله العسكري في سوريا، نظراً الى انعكاسات ارتباطاته الخارجية السلبية على لبنان، ويجب عدم وضع رأس الدولة تحت سكين الحزب، نحن نبهنا وننبه إلى هذا الأمر، ونناشد مسؤولي الحزب عدم التدخل بالموضوع السوري وبما هو أبعد من المصلحة اللبنانية، ولكن لا تجاوب إلا أن عملنا في هذا السبيل يجب أن يستمر”.
أما المحلل السياسي سامي نادر فيرى أن “الأمور في سوريا ذاهبة نحو التقسيم”، مشيراً إلى تصريح داود أوغلو عن الدولة العلوية. ويجد أن “القطب الإيراني انتقل الى الخطة “ب” وهي خطة التقسيم”،مشيراً إلى خشيته من أن “يكون اللقاء الأميركي الروسي من أجل “بلقنة” سوريا، وهذا ما حذّرت منه في السابق، واجتماع جنيف الثاني المقرر نهاية الشهر الجاري لا يشير إلى وضوح ما إذا كانت ستوضع القوة في خدمة القانون، ثم أن التركيز على قضية “جبهة النصرة” وتضخيمها، مؤشر إلى القول بأن سوريا لا يمكن أن تكون دولة تعددية ديموقراطية موحدة كما يحلم السوريون وكثير من العرب واللبنانيين، أي يتم الترويج لهذه الخطة، والتي يعطيها تدخل إيران و”حزب الله” تحديداً لهذه الدرجة في الصراع السوري مسوغاً، فهذا الانخراط من قبل حزب الله في حرب سوريا يؤكد التحضير لخطة التقسيم كما أن التركيز في قتال “حزب الله” على مدينتيّ حمص والقصير والاستشراس في المعارك يؤكد أهمية المعركة هناك كونها معركة استراتيجية، لربط الدولة العلوية بالقرى الشيعية وهذا ما يفسر المعارك التي تحصل في القصير “الممر” ويعطي للدولة العلوية عمقها الاستراتيجي أي العودة إلى ما كانت عليه الحدود عام 1923، عندما طوقت أول تجربة علوية ولم تستطع الاستمرار أكثر من سنتين بعد أن باءت بالفشل”.
ويرى أن “حسابات إيران و”حزب الله” الذي يدرك أن العودة إلى حالة ما قبل الثورة غير ممكنة ولكنه مستمر بحكم البرنامج الذي وضع لدوره والمخطط الإيراني”.
ويجد أن ما قاله الأسد “يعني توحيد رؤى وجهد بين الطرفين ومع المحور الإيراني، من أجل قيام الدولة العلوية، كما أن انتشار القوى العسكرية للحزب تثبت السعي الى ذلك، ومؤشره السيطرة على بعض المواقع في الشام وحمص والقصير والمعارك التي تدور في خربة غزالة اليوم، إذ إن الحزب والنظام وإيران يعملون لتحصين مواقعهم في الجبهة الغربية لسوريا المطلة على البحر وهذا ثمنه سيكون عالياً، وهذا ما يفسر أيضاً التطهير العرقي والمجازر التي حصلت في بانياس حيث تعرضت المدن السنية لهجمة ويمكن أن تدفع ثمن هذا المخطط، بمعنى أن تقتلع من مكانها”.
ولا يتفاءل نادر ببقاء لبنان على صيغته الحالية في حال قامت الدولة العلوية في سوريا، “فخطر التقسيم مرشح أن يمتد إلى لبنان وغيره من دول المنطقة، وقد يكون المشرق العربي عائداً إلى الحالة التي كان فيها قبل إنشاء الجمهوريتين اللبنانية والسورية أي إلى ما كنا عليه في العام 1860 وهذا أمر مقلق، فبدل أن نذهب إلى دول مدنية ومجتمع متنوع والحداثة نذهب في الاتجاه المعاكس”.