بكّر الحائك الإيراني في حياكة خطاب “انتصاره” في سوريا.. وكأنّ للزمن لعبته المتناسقة مع تعاقب أيّامه، بحيث تنتقل الأدوار بين ناسه كالقدر الذي لا رادّ له.
قبل الإيرانيين بسنوات عشر تقريباً، وقف الرئيس الأميركي السابق جورج بوش على بارجة حربية في البحر وأعلن “اكتمال المهمّة” في العراق بعد أشهر قليلة فقط على غزوه وإطاحة نظام صدام حسين وكل تركيبته التي تبيّن لاحقاً أنّها أحكمت مصيرها بمصير البلد بحيث راح الاثنان ولم يعودا بعد!
استعجل بوش الابن آنذاك كثيراً. أراد من خلال خطابه المفوّه أن يعلن الانتصار فما فعل إلاّ إطلاق صفارة بدء تدحرج الأخطاء والكوارث واحدة تلو أخرى، إلى أن صار العراق “أمثولة” رادعة للسياسة الأميركية في مطلع القرن الحادي والعشرين بعد أن كانت فيتنام أمثولة لتلك السياسة في الربع الأخير من القرن العشرين.
اليوم تنقلب الأدوار. ويكرّر الإيراني وأدواته خطيئة “الاستعجال” كتتمّة لتكرار خطيئة التدخّل السافر في سوريا ولبنان، والتدخّل المموّه في معظم الدول العربية والإسلامية.
وتماماً مثل الأميركيين في فيتنام والعراق، والروس في أفغانستان. يقدّم الإيرانيون أنفسهم في سوريا كطرف “مقرّر” وليس “مشاركاً”. وآمر وليس مساهِماً في الإمرة. والمفارقة أنّهم يفعلون ذلك بحيوية وتشاوف وخفّة المغامر الغرّ! بل تبدو ألاعيب الحرب النفسية مع كل عدّتها الخطابية والإعلامية والتزويرية والبلفية والتمويهية، وكأنّها تكفيهم وتُغنيهم بالفعل، عن قراءة عُقد البساط السوري المفلوش أمامهم بدقّة.. وهم الذين يُقال عنهم، إنّ حرفتهم السياسية فيها الكثير من الصبر والاناة وطول النَفَس التي يتمتّع بها حائكو السجاد العجمي!
.. ليست القصير وريفها كل سوريا. وليست لقاءات موسكو آخر مطاف الثورة مثلما لم تكن بدايتها. وليس شعب سوريا شبيهاً بالرواية الممانِعة المسبوكة في قصر المهاجرين وطهران والضاحية الجنوبية لبيروت. و”العصابات المسلّحة” عدّة بيان التمويه والبلف وليست تعبيراً دقيقاً ولا عشوائياً، لا من قريب ولا من بعيد، عن حقيقة الوضع الثوري المتفجّر في وجه نظام المافيات والمجازر الأسدي.. والأهم من ذلك، هو أنّ لعبة تبادل الأدوار القديمة تلك، تجعل إغراء المقارنة فعلاً حيوياً لا يُقاوَم: لا “حزب الله” ولا “الخبراء” الإيرانيون والروس ولا الجيش الأسدي، أقوى وأنظم وأفعل وأشرس وأخطر من أهم جيشين في العالم: الأميركي في فيتنام والعراق، والسوفياتي “الأحمر” في أفغانستان. كما أنّهم بالتأكيد، لن يكونوا “أفعل” من الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان. ثلاثة من أهم جيوش الأرض تحطّمت، بكل معنى الكلمة عندما خاضت في أرض غريبة.
الفيتناميون كانوا مزارعين حفاة. وفقر الأفغان لا رديف لقساوته ومرارته وأحزانه إلاّ في كلكوتا الهندية.. وأهل جنوب لبنان لم يكتشفوا الذرّة. ومصيبتهم بالاحتلال واعتداءاته كانت موازية لمصيبتهم في بلدهم الذي دمّرته الحرب الأهلية.. والعراقيون بعد ذلك، كانوا من أكثر شعوب الأرض تعباً واضطهاداً ويأساً. ومع ذلك كله، مشى التاريخ وفق المنطق السليم وصحّح شواذ المسار الاحتلالي!
السوريون اليوم على موعد مع ذلك التاريخ. وصرخة “الانتصار” الإيرانية لن تكون مختلفة، سوى في حبكتها اللغوية، عن “صرخة” بوش الانتصارية في العراق، ونتائج أداء “الجيش الأحمر” في أفغانستان والجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان.
.. حياكة السجاد شيء وحياكة الفتن شيء آخر. أمّا ادّعاء القدرة على رسم خرائط الدول والشعوب واللعب بمصائرها وتلبّس الأدوار الأكبر من الأحجام الفعلية، فهذه قصّة أخرى بدأت فصولها للتو!