#adsense

فقدان الثقة يُسرّع العواصف الهوجاء..

حجم الخط
 

الثقة.. الثقة.. طبعاً إلى جانب التدخلات والضغوطات الخارجية، هي أساس الأزمة السياسية التي يتخبّط فيها لبنان، منذ حرب تموز 2006.

فقدان الثقة بين مكونات فريقي 14 و8 آذار عامة، والطرفين الأساسيين: تيّار المستقبل و«حزب الله» خاصة، فاقم حالة الانقسام العمودي التي عطّلت الآلة السياسية في البلد، وشلّت الإدارات العامة، وحاصرت الاقتصاد إلى حدّ الاختناق، وضربت كل معايير الإنتاج والنمو.

المشكلة أن الظروف السياسية تغيّرت، ذهب عهد وجاء آخر، استقالت حكومات وتألفت أخرى.. حتى المعادلات الإقليمية لم تعد على ما كانت عليه عشية انتهاء حرب تموز، وما تلاها من عواصف داخلية وإقليمية.. ومع ذلك بقيت أزمة الثقة تكبر، وتزداد تعقيداً، وأدت إلى أكثر من انفجار، بعضها أمني، والبعض الآخر سياسي!

الانفجار الأمني بلغ ذروته في ذلك اليوم الأسود والمشؤوم من أيار، والذي كاد يودي بالبلاد والعباد إلى فتنة مذهبية انتحارية، لا يخرج منها أحد منتصراً.

أما الانفجار السياسي، فكان الأبرز في الانقلاب على اتفاق الدوحة، واستعمال الثلث المعطل لإسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري، ثم الإتيان بحكومة «اللون الواحد» التي أعادت إليها الكتلة الوسطية لاحقاً بعض التوازن!

* * *
لم يكن الرئيس تمّام سلام بعيداً عن أجواء عدم الثقة، التي تمكنت من شل العلاقة بين الفريقين الآذاريين، ولم تغب عنه تداعيات القطيعة المستحكمة بين «المستقبل» و«الحزب»، لذلك حاول منذ الأيام الأولى لتكليفه، تجاوز حقول ألغام الخلافات، والتنافسات على الحصص والحقائب، والابتعاد عن متاهات الشروط والمطالب من الفريقين، والذهاب إلى حكومة انتخابات مصغرة، تضم شخصيات توحي بالثقة للبنانيين أولاً، ثم ترضي الأفرقاء السياسيين، بنوعية الوزراء وكفاءاتهم، وعدم تحيزهم السياسي، لهذا الفريق، أو ذاك التيار أو الحزب.

وانطلق الرئيس المكلف من الإجماع غير المسبوق على ترشيحه، ليضع مواصفات لحكومة غير سياسية، ولكنها ترضي الأطراف السياسية، على اعتبار أن الوزراء غير مرشحين للانتخابات، والحقائب سيتم مداورتها بين الطوائف، واستبعاد الشخصيات الاستفزازية عن التشكيلة الوزارية، وأخيراً طي صفحة الثلث المعطل، على اعتبار أن الحكومة ستضم فريق عمل منسجماً، يؤدي مهماته الدستورية في إدارة شؤون الدولة، وإجراء الانتخابات، ومعالجة بعض الملفات الطارئة في هذه المرحلة الانتقالية، على أساس أن الحكومة العتيدة تكون في حكم المستقيلة، مجرّد إعلان النتائج الرسمية للانتخابات.

* * *
أدى رفض فريق 8 آذار للحكومة غير السياسية المصغرة، إلى فتح حلقات التفاوض حول تشكيل حكومة سياسية. وبعد جلسات من النقاش والأخذ والرد، طرح الرئيس المكلف صيغة الثلاث ثمانات لحكومة من 24 وزيراً، يتوزع الوزراء فيها بالتساوي بين ثلاث كتل رئيسية: 8 و14 آذار، والوسطية التي تضم رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والنائب وليد جنبلاط .

ولكن إصرار فريق 8 آذار على الثلث المعطل، والحصول على الوزير التاسع، أطاح بحظوظ الحكومة المتوازنة، وأعاد الكرة إلى المربع الأول: الحكومة المصغرة ووزراء غير سياسيين.

* * *
وبانتظار حلول اللحظة المناسبة لولادة الحكومة العتيدة، تسود أجواء من الحذر والقلق لدى الأكثرية الساحقة من اللبنانيين، الذين يلاحظون تلبد غيوم سوداء في الأفق، تنذر بعواصف جديدة، في حال قُـدّر لها أن تصل إلى الداخل اللبناني، خاصة وأن المناخات في الاقليم تزداد تدهوراً، على إيقاع احتدام النيران السورية، والغارات الإسرائيلية على دمشق، والتفجيرين المروعين على الحدود التركية – السورية، وما يُروى عن سباق محموم بين المعارك العسكرية على الأرض بين النظام السوري ومعارضيه، والمعارك الدبلوماسية التي ستبلغ ذروتها عشية انعقاد المؤتمر الدولي من أجل الحل السياسي في سوريا.

ولعل الأخطر من كل ذلك، استمرار هذا الانقسام الوطني في البلد المعذب، وتراجع وجود الدولة في المرافق الأمنية والحيوية الأساسية لأي سلطة شرعية، وتفاقم الفراغ الدستوري للمؤسسات الشرعية، من حكومة مستقيلة، إلى مجلس نواب منتهية ولايته، إلى رئيس جمهورية في آخر سنة من عهده… إلخ إلخ.

كل ذلك في مرحلة يزداد فيها الكلام عن استبدال اتفاقية سايكس – بيكو، بخرائط جديدة ودويلات طائفية وإثنية مستحدثة، بتوافق أميركي – روسي على تقاسم مناطق الثروة والنفوذ، خاصة بعد اكتشاف حقول النفط والغاز على طول شاطئ الإقليم المتوسطي!
طبعاً، حكومة انتخابات، محكومة العمر بفترة زمنية محددة، لن تستطيع التصدّي لمثل هذه الأخطار الكبيرة، ولكنها تصلح لتكون مدخلاً لمصالحة وطنية حقيقية، تنهي معزوفة 8 و14 آذار، وتجمع كل اللبنانيين في جبهة الدفاع عن الوطن والمصير.

هذا إذا ما زال ثمة مَنْ يُؤمن بصيغة «الوطن الرسالة» ويعتقد بالعيش الحضاري بين اللبنانيين، بعيداً عن معايير الأعداد والأوزان والأحجام!

المصدر:
اللواء

خبر عاجل