المشروع؟
إفترض كثيرون يا إخوان (ولم يكن كاتب السطور من ضمنهم) أن العدوان الإسرائيلي على غزة سيصل الى نقطة مقفلة أو ملتبسة، وأن حركة "حماس" ستتمكن نتيجة ذلك من إعلان "انتصارها" من دون أن يحاجج أحدٌ فعلياً وعملياً وواقعياً في ذلك، ومن دون أن يراهن على بقية من منطق قد تساعد ولو بعد حين، على جعل الواقع العربي عموماً والفلسطيني خصوصاً أكثر دقّة وتواضعاً في تعابيره وسياساته وتوقعاته.
يستدعي ذلك، أي إعمال المنطق للوصول الى أحكام تامة وواضحة، تغييراً مركزياً في الدوائر التي يتمحور حولها التفكير الراهن إزاء النزاع العربي ـ الإسرائيلي في الإجمال، ويستدعي ذلك بعض الشجاعة في وجه غليان المشاعر والعواطف والأحاسيس والسعي الدؤوب لإسكات أي صوت نقدي بسوط التهم الجاهزة، وأصغرها يكفي لتيبيس الدم في العروق، وجعل بياض الشعر خيمة تدل الى شيخوخة واضحة حتى لو كان صاحبها في عزّ شبابه.
يستدعي بعض المنطق قول الكلام بمشاعر باردة، وعيون زجاجية، ودماء تسير في مجراها الطبيعي داخل جسم الإنسان وليس خارجه، وبضغط طبيعي لا تؤثر فيه أملاح الشعارات وكثرة الرنين بالأسى والحض على تغيير الواقع الراهن.
كيف يمكن مقاربة تلك المعادلة الصعبة من دون الوقوع في شبهة عون الاحتلال على احتلاله وعدوانه وصلفه وغروره ونزعته الدائمة الى التنكيل الوحشي بضحاياه. مقاربة ليست هيّنة، وغزة لا تزال تحصي شهداءها وتحاول الإفاقة من صدمة لم تنل مثلها من قبل، لا في العام 1948، ولا في العام 1967، ولا ما تلا ذلك من مواجهات دموية متفرقة مع الإسرائيليين… أو خلال الانقلاب الذي نفذته "حماس" على السلطة الشرعية في القطاع.
مقاربة تحتاج الى شجاعة استثنائية غير متوفرة راهناً، بسبب انقطاع ذلك الحبل المشدود بين المنطق السليم وترف الهدوء وما يفتحه من آفاق في التفكير… انتهت المعركة ولم تنته الحرب، والنتيجة الملتبسة تسهّل للمدّعي أن يدّعي ما يريد وما يشاء. لكن النتيجة الأخيرة تبقى هي ذاتها ضحية تعطيل العقل وما يمكن أن يفرزه من نتائج تعكس منطقاً سليماً للحكم على ما حصل.
كثيرون تحدثوا عن "حماس" وأدائها خلال العدوان، وكثيرون طرحوا أسئلة خَفِرة عن الحكمة المتأتية من رفض تمديد الهدنة، وغياب القراءة الصحيحة المحيطة بذلك القرار… لكن أحداً لم يكن قادراً على طرح سؤال مركزي وأساسي إلا بعد انقشاع غبار المعركة، والكشف عن العدد الضحل والضئيل لقتلى الجيش الإسرائيلي الغازي، مقارنة بالمذبحة التي لحقت بأهل غزة… ما هو المشروع الفعلي لـ"حماس" ومقاومتها؟ استمرار القبض على السلطة مهما غلت الأثمان، أم البحث فعلياً عن المصلحة العليا للشعب الفلسطيني المظلوم والمنكوب؟!