لهذه الأسباب سيعود ملف غزة إلى طاولة المفاوضات
لم تَعُد الحروب تُعرَف فقط متى تبدأ، بل أيضاً متى تنتهي. الحرب الأخيرة لإسرائيل على غزة عُرِف قبل إثنين وعشرين يوماً متى تنتهي، حين إندلعت في السابع والعشرين من كانون الأوَّل الماضي، لم يبقَ أحدٌ في العالم إلا وتوقَّع أن تنتهي بالتزامن مع دخول الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما إلى البيت الأبيض.
الشيء نفسه تقريباً حصل في صيف العام 2006 بسرعة غير مسبوقة تمَّ ترحيل الرعايا الأجانب من بيروت. وكل مَن كان يغادر كان يُقال له (إنها مسألة شهر وتعودون)، وبالفعل إنتهت تلك الحرب بعد شهر وثلاثة ايام.
* * *
ماذا يعني هذا (التوقيت الدقيق)؟
من خلال الوقائع والمعطيات يتأكد ما يلي:
إن الحروب صارت (مبرمجة)، فلم يَعُد هناك حروب تُشن بالصدفة على طريق الإنفعال وردات الفعل، للوهلة الأولى هي تبدو كذلك، لكن مَن يُدقِّق فيها يجد أنها بعيدة كل البعد عن ردات الفعل:
فحرب غزة لم تندلع لأن حركة حماس أسقطت الهدنة مع الجيش الإسرائيلي، بل لأن إسرائيل إستعدت لها منذ العام 2006، ولم يكن إسقاط الهدنة من جانب حماس سوى الذريعة التي وجدت فيها الدولة العبرية التوقيت الملائم لضرب حماس، كما أنها إستفادت من تبقّي عشرين يوماً للرئيس الأميركي جورج بوش ولإدارته، فضربت ضربتها وعرفت متى تُنهيها وربما أبلغت إلى عواصم العالم متى ستقوم بآخر غارة قبل وقف النار.
* * *
السؤال الذي يطرح نفسه هنا:
هل الحرب وحدَها مبرمجة أم أنَّ كل شيء يأتي بعدها مبرمج أيضاً؟
للإجابة عن هذه الأسئلة لا بد من إجراء تقويم أولي للوضع في غزة بعد أثنين وعشرين يوماً على الحرب عليها:
من جانب إسرائيل لم يَعُد من الممكن أن تستخدم كثافة النيران التي إستخدمتها، فوضعها العالمي حَرِج جداً على مستوى الرأي العام ولا سيما العربي منه، فالملك السعودي عبدالله لوّح بأن المبادرة العربية لم تبقَ على الطاولة، وقطر أقفلت مكتب المصالح الإسرائيلية في الدوحة، وسوريا علّقت المفاوضات مع إسرائيل والتي كانت ستدخل مرحلة المفاوضات المباشرة بعدما كانت تتم عبر الوسيط التركي.
* * *
إزاء هذا الواقع تبدو إسرائيل مضطرة إلى محاولة تلميع صورتها خصوصاًُ أنَّ واشنطن بدأت عهداً جديداً، من المؤكد أن ملف الشرق الأوسط ولا سيما الصراع العربي – الإسرائيلي سيكون في رأس إهتمامات أوباما، في سياق هذا الوضع ستبدو إسرائيل منهمكة للمشاركة في طاولة المفاوضات وليس في التحضير للحرب، وما ينطبق على الدولة العبرية بالتأكيد ينطبق على حركة حماس التي خرجت من هذه الحرب رقماً بالإمكان إختزاله ودمجه مع السلطة الفلسطينية.