ومن هنا، أهمية إعلان السيد حسن نصرالله عن إنطلاق المقاومة الشعبية في الجولان، وإلتزام “حزب الله” مهمة التدريب والإمداد. فهذا الانخراط “المقاوَمي” في الجنوب السوري، يتيح لـ”الحزب” تدخّلاً مفتوحاً و”مبرراً” في وسط سوريا وشمالها.
وتردّد أن لـ”الحزب” دوراً حاسماً في استعادة القوات النظامية بلدة خربة غزالة، على الطريق الدولية جنوباً، بين دمشق ودرعا، المدينة الحدودية مع الأردن، والتي تشير معلومات إلى رغبة مقاتلي “الحزب” في التقدم نحو مشارفها.
هذا التطوّر العسكري خارج بقعة العمل “التقليدية”، دمشق – حمص – الهرمل، يحمل في نظر الخبراء مغزى حيوياً، لأنه يرسم حدود المناطق التي يطمح النظام و”الحزب” إلى التمسك بها، أياً تكن الأثمان. وهذه المناطق هي المحاذية للحدود اللبنانية – السورية بالكامل، من النهر الكبير الفاصل بين عكار وطرطوس – اللاذقية وريف حمص، إلى السلسلة الشرقية في اتجاه جبل الشيخ، أي المناطق الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي.
وفي البقاع الغربي، يتداخل العامل الفلسطيني، حيث المخازن والمراكز الموصولة بالأنفاق بين لبنان وسوريا، والتي تسيطر عليها دمشق و”الحزب” عبر الجبهة الشعبية – القيادة العامة. وربما تشكِّل هذه المراكز، واحدة من الوسائل الحيوية لمرور العناصر والمؤن من لبنان إلى سوريا في شكل وافر وآمن، بحيث يصعب على أي جهة رصدها، إلّا في حالات الصواريخ غير التقليدية التي تراقبها إسرائيل وجهات أخرى. ويبدو صعباً تحديد الطريقة التي يستطيع فيها “حزب الله” إدخال قسم كبير من مقاتليه، بعتادهم، إلى سوريا، بعيداً عن الأنظار.
ولهذا السبب، هناك تباين شاسع في تقدير حجم الوحدات القتالية التي يضعها “الحزب” على أرض المعركة في سوريا. فالبعض يتحدث عن مئات، وآخرون عن ألفين، فيما مصادر “الجيش السوري الحر” تشير إلى نحو 7 آلاف. وهناك من لا يستبعد تجاوز عدد المقاتلين العشرة آلاف. وهذا التباين في تقدير العديد يواكبه غموض في تقدير العتاد حجماً ونوعاً.
ويعمل “الحزب” لخلق مناطق حدودية متداخلة لبنانياً وسورياً تحت السيطرة، ما يمنع التواصل بين المقاتلين المناهضين للرئيس بشّار الأسد وحلفائهم اللبنانيين. وجاءت حادثة عرسال لتحيِّدها عن الصراع. وستكون المناطق الأكثر ولاءً للأسد محمية من الجهة اللبنانية، بل جزءاً من البقعة الشيعية – العلوية التي تتمتّع بتداخل دفاعي متكامل.
ويهتمّ الحزب بمجريات المعركة في القُصَير وريف حمص ودمشق، لأن هذه البقعة ستكون نواة لمنطقة النفوذ المشتركة، وستضمن التواصل شمالاً حتى طرطوس وجنوباً نحو الجولان.
لكن ذلك سيطرح تحديات على القوى السنيّة، في المقابل. وفيما يلقى الأسد دعم إيران وحكومة نوري المالكي في بغداد، فإن المنطقة الشرقية من سوريا والمنطقة العراقية المحاذية لها، والتي يغلب عليها الطابع السنّي، ستتداخلان في دينامية سنّية موازية.
ولولا خوف الملك الأردني عبدالله الثاني من تداعيات الفورة السلفية على العرش، لربما كان الوضع في درعا مختلفاً. أما في الشمال، على الحدود مع تركيا، فالأكراد يرتّبون أوضاعهم للمرحلة المقبلة، والأتراك بدأوا يتحسّبون للآتي بعد تفجيرات الريحانية والانعكاسات السورية على استقرار الإسكندرون.
ويعمل محور الأسد – “حزب الله” على ابتكار عمليات الإلهاء والتغطية لإنجاز المهمات الداخلية في هدوء. ففي سوريا هناك مناورة بكلام لا طائل تحته على التسوية، وتتولّى موسكو إلهاء الغرب لتمنح الحلفاء الوقت الكافي لتثبيت معادلة القوة. وفي لبنان يجري التمْويهُ والتلهّي بعناوين الاستحقاقات السياسية والدستورية، فيما المطلوب هو: إما نحن وإما الفراغ.
الفراغ في المجلس النيابي، وفي الحكومة، وربما في رئاسة الجمهورية بعد عام… ولِمَ لا في قيادتَي الجيش وقوى الأمن؟ فالوضع المثالي لعدم المساءلة حول التورط في سوريا يكون إما في الإمساك بالسلطة وإما في فقدانها.