#adsense

“القصر” الحدودية تفضح في السرّ… ما لم يُكشف في العلن

حجم الخط

يشعر الداخل إلى بلدة القصر الواقعة في شمال البقاع اللبناني والمتاخمة للحدود مع سوريا، وكأنه انتهك حرمة منزل على حين غرّة من أهله، أو مرتكب جرم هارب من وجه العدالة، عيون عناصر الأمن في “حزب الله”. ترصدك، تراقب تحرّكاتك والأماكن التي تقصدها، نظرات مغزاها أنك شخص غير مرغوب بك هنا، إلا ان الدخول إلى مركز بلدية البلدة، قد يُبعد عنك عيون الراصدين ولو لفترة محدودة.

داخل البلدية يُسمعك أحد أعضائها كلاماً لا يُشبه الكلام الذي يُعلن بين الحين والآخر على بعض شاشات التلفزة المحليّة، ورغم جلوسه وراء المكتب الخاص برئيس البلدية الدكتور حسن زعيتر إلا أنه يرفض الكشف عن اسمه كشرط أساسي للدخول في أي حديث. في بداية حديثه، يأسف للتقارير التي تبثّها إحدى المحطات بشكل يومي تقريباً والتي تتعلّق بأوضاع البلدة، خصوصاً تلك المراسلة التي يصفها بالوقحة، “أنا لا ألوم المحطة التي تُشغّلها إنما ألومها هي نظراً الى التقارير الكاذبة التي تُعدّها وترسلها إلى محطّتها”، ويضيف: “هذه المراسلة تعرّفت منذ فترة على مجموعة من الزعران في البلدة، يأوونها ويطعمونها ويمدونها بأخبار كاذبة ومُلفّقة”.

“الكلام الذي يصدر عن بعض الشبان الصغار مثل، أننا سنرد الصاع صاعين في حال تعرضت قريتنا لصواريخ الجيش السوري الحر مجدداً”، بحسب الجالس وراء المكتب، “ما هو سوى كلام مُركّب ومفبرك”، ويسأل هؤلاء الشبان: “على من ستطلقون صواريخكم؟ وهل فعلاً تدركون الجهة التي تُرسل صواريخها الينا؟”. يُنهي حديثه وكأنما الكلام الذي أخرجه من داخله، أشعره بارتياح خصوصاً أن رسالته إلى بعض محطّات التلفزة قد وصلت وهذا ما كان يسعى الى توضيحه منذ بداية اللقاء.

خارج مبنى البلدية يوجد دُكّان صغير يقف بالقرب منه عامل سوري يُمسك برفشه، وبما أن التصوير ممنوع عندها تنعكس الأمور، ليُصبح الكلام أبلغ من الصورة. “أتيت من درعا إلى هنا حيث أعيش اليوم مع عائلتي”، يتلفّت يميناً ويساراً، ينفخ دخان سيجارته التي أصبحت في نهايتها ليرميها على الأرض ويدوسها برجله قائلاً: “هكذا نحن مدعوسون”. في لحظة من عمر هذا “الفاعل”، بدا وكأن حاجز الخوف انكسر في داخله، “لا مؤونة ولا مساعدات من أي جهة تصلنا، فكل ما يُحكى في الإعلام لا صحة له وفي حال وصول بعض منها يكون بشكل قليل لا يكفي لأسبوع واحد او أقل بكثير”.

كلام يكشف حقيقة ادعاء إمام مسجد البلدة الشيخ عبد الكريم الحيّاوي، وهو من التابعية العراقية، لكنه يسكن القصر منذ ثلاثين عاماً بحسب ما يقول. يُفرط الحيّاوي في حديثه إلى حد المبالغة فيقول: “إن السيد السيستاني والسيد محمد سعيد الحكيم يرسلان المساعدات عن طريقي لكي أدفعها للمحتاجين سنة وشيعة ومسيحيين وأنا أقوم بما يُمليه عليّ ضميري”، حتى إنه أراد إقناعنا أن هناك من هم من الطائفة السنيّة يصلّون خلفه في المسجد وأنه الوحيد الذي يُصلّي على أمواتهم ويُصيغ عقود زواجهم، لكن السؤال: “أين يوجد سنّة في البلدة”؟ والذي تبادر إلى ذهن أحد الحاضرين، جعل الحيّاوي يرتبك ويقول بلهجته العراقية، “الظيعة مليانة سُنّة وشيعة وعلويين ومسيحيين”.

المعلوم أن بلدة القصر قد فرغت من سكانها من الطائفة السُنّية بعدما زج بها “حزب الله” في أتون الصراع السوري الذي تحوّل لاحقاً إلى صراع مذهبي بين أبناء البلدة الواحدة، يخبر أحدهم يوم اقتحمت مجموعة تابعة لأمن “حزب الله” منزل شخص من آل عيد من الطائفة السنيّة، “يومها جرجرته كال…. متهمة إياه بالتعامل مع الجيش السوري الحر، ليتضح لاحقاً أن الرجل “معتّر” فلاح يعتاش من أرضه لا حول له ولا قوة، لكنه غادر القرية بعد الحادثة مباشرة مصطحباً معه عائلته المؤلفة من عشرة أشخاص”.

في الطريق إلى “القصر” تطالعك صور كثيرة ومتنوّعة لقتلى “حزب الله” على رأسهم صور لمحمد نصرالدين الملقّب بـ “كرار” وهو قائد في الحزب، إضافة إلى يافطات متعددة كتب على بعضها “الشعب الإيراني في خدمة الشعب اللبناني”، لكن مجرّد العبور في أراضي الهرمل، يُظهر أن لا خدمات ولا حياة. فالأهالي اللبنانيون قد هربوا من القصف لتخلو الساحة للإيراني يقرر فيها ما يشاء بمؤازرة عناصر “حزب الله”، والغريب أنه عندما تسأل رئيس بلدية القصر الدكتور زعيتر عن سبب وجود عناصر مسلحة في القرية بشكل دائم، يجيب أن “هؤلاء لجان شعبية تم تشكيلها للدفاع عن المنطقة بعدما تركتنا الدولة اللبنانية نواجه مصيرنا وحدنا”.

زيارة رعب الى بلدة القصر تخلّلها الكثير من التوقيفات والأسئلة خصوصاً تلك التي تتعلق بطبيعة الزيارة، إلا أن المسعف الدائم وجود شخص بمثابة “دالول” لنا وهو من أهل القرية مُلم بخبايا البلدة وزواريبها، وقد أخبر بأن الجيش الحر قد أصاب مركزاً لـ”حزب الله” منذ فترة بشكل مباشر، ولدى سؤالنا سبب دقّة الاستهداف هذا، أجاب: “من عادة الحزب ألا يقصف أعداءه من أماكن سكنيّة لكنه ارتأى هذه المرّة أن يقصف القصير من أمام مسجد البلدة، عندها حدد الجيش الحر نقطة المئذنة وقام بالرد بشكل مباشر”.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل