انتخاباتهم عرس وديموقراطيتنا في المجهول
متى يعود لبنان إلى تقاليده الديموقراطية الحقيقية التي تجعل من كل انتخابات فيه، سواء كانت انتخابات رئاسية أو نيابية أو بلدية، استحقاقات للتغيير وليس للمعارك المخيفة؟
سؤال ساور معظم اللبنانيين وهم يشاهدون وقائع تسلم الرئيس الأميركي باراك اوباما سلطاته ومسؤولياته وسط عرس شعبي جارف، ووسط تهليل العالم للتغيير في أميركا الذي يؤمل أن يغير معه الكثير من أوضاع هذا العالم.
اللبنانيون، بنوع خاص، شعروا بما لم يشعر به سواهم من شعوب هذه المنطقة، لأنهم أصحاب تجربة فريدة في الديموقراطية. وها هم يعيشون وسط خوف حقيقي من انتخابات نيابية، يفترض أن تكون استحقاقاً مفرحاً وسعيداً ومحطة للتغيير. ولكن ما يرونه ويسمعونه ويعيشونه يجعلهم متوجسين من أن تكون انتخاباتهم نذير تصعيد أو علامة جديدة نحو مصير مجهول.
لن يكون التنافس في الانتخابات اللبنانية اكبر مما كان في الانتخابات الرئاسية الأميركية. ومع ذلك فان الأميركيين اثبتوا للعالم جدارتهم الكبيرة في النظام الديموقراطي. فلماذا تتحول الانتخابات عندنا محطات خطر على المصير اللبناني وليس استحقاقات تطور وتجديد وتغيير؟
ولماذا قتل من قتل، واغتيل من اغتيل، واستشهد من استشهد، وهاجر من هاجر، إذا كان لبنان سيظل حتى في استحقاقاته الديموقراطية معرضاً لمزيد من الأزمات والخوف والحذر؟
إذا كانت كل التضحيات التي دفعها الشعب اللبناني لا تكفي الزعماء والقادة والسياسيين لأخذ لبنان نحو مستقبل مستقر على أساس ديموقراطي ثابت وسليم وحقيقي، فماذا ينتظرون من الشعب اللبناني بعد؟ وهل في قدرة هذا الشعب التحمل أكثر مما تحمل حتى الان، وتقديم المزيد لإرضاء أنانيات الزعماء وطموحاتهم وأطماعهم ومصالحهم؟ وماذا ينقص اللبنانيين لكي يقدموا بدورهم نموذجاً ديموقراطياً حضارياً، وهم الذين تميزوا في هذه المنطقة منذ القدم بتنوعهم وحرياتهم وديموقراطيتهم؟ وأي ديموقراطية هذه التي يعيشها اللبنانيون اليوم، وهم يسمعون أن خسارة هذا الفريق أو فوز ذاك، سيضعان لبنان مرة جديدة أمام مجهول لا يعلمه إلا الله؟
إن ذلك يعني ببساطة أن لبنان فقد ديموقراطيته حقاً، وان التغيير الذي تأتي به الانتخابات، خطر على الاستقرار والأمن والحياة.
لقد شاهد اللبنانيون بالأمس عرس تغيير حقيقياً في أميركا، جعلهم يتفاعلون معه كأنهم المعنيون به، لكثرة ما يعانون من ابتعاد وطنهم عن الديموقراطية الحقيقية.
فهل تعيد الانتخابات المقبلة لبنان إلى ديموقراطيته، أم سنبقى ننظر إلى العالم المتحضر بعين الحسد والعجز عن اللحاق به؟