لبنان والمصالحات العربية – العربية
مخطئ من يعتقد ان المصالحات العربية التي اطلقها العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز خلال قمة الكويت، وفاجأ بها الجميع معطّلا إمكان تحوّل القمة مسرحا لـ"بروباغاندا" النظام السوري وحلفائه… لاقت آذاناً صاغية لدى افرقاء الاجتماع التشاوري في الدوحة. فالدعوة السعودية التي اوقفت الانحدار السريع، لم توقفه تماما، ويصعب ان توقفه في ظلّ عدم تغيّر المعادلات الفعلية التي تحكم الواقع العربي الانقسامي. فالعامل الايراني اكثر اختراقاً لقضايا المنطقة العربية، والقضية الفلسطينية أرض خصبة للتمركز على ارض العرب، وبمساعدة بعضهم. من هنا أتت الحرب الاسرائيلية على غزة شبيهة بحرب تموز 2006 على لبنان من حيث الدور الايراني الجليّ في توريط شعوب المنطقة في حروب مدمرة من جهة، وفتن تفتيتية من جهة اخرى.
لم يتغير شيء اطلاقا، بل ان نتائج الحرب على غزة اظهرت حقائق مرة معاكسة لـ"الانتصار" الذي اعلنه رئيس الحكومة الفلسطينية المقالة اسماعيل هنية على اثر وقف اطلاق النار. واذا كانت قبضة حركة "حماس" الفولاذية، بل الدموية، على قطاع غزة منعت ولا تزال تمنع صدور اصوات معترضة وناقدة للحرب التوريطية التي انقادت اليها الحركة متوسلة دماء آلاف المدنيين العزّل الذين قضوا أو أصيبوا أو تضرروا، فإن المعلومات الآتية من داخل القطاع تشير الى نقمة عارمة على المجرم الاسرائيلي، وبالقدر نفسه على من وجهوا دعوة مفتوحة لهذا المجرم لكي يُعمل قتلاً وتدميراً في أرض غزة. لقد ارتكبت "حماس" خطأ كبيراً في حق المواطنين الذين ما أعطتهم فرصة ليقولوا كلمتهم في خيار الحرب الذي ذهبت اليه بوحي من أجندة إقليمية بنت في السنوات الاخيرة تقليداً يقوم على استغلال دماء الناس وأرواحهم، بدفعهم دفعاً إلى حروب وإبادات.
بالأمس تسبّب "حزب الله" بقتل 1300 لبناني جلّهم من أبناء البيئة الجنوبية – البقاعية الحاضنة له، وأصاب الدمار قطاعات لبنان الاقتصادية ومرافقه، وبُناه التحتية وهي ملك جميع اللبنانيين. ولم يرفّ لمسؤوليه جفن وهم يعلنون الانتصار من فوق القبور. واليوم يهبّ من ورّط أهل غزة في حرب كان يمكن تجنّبها بسهولة، ليعلن من بين القبور انتصاراً إلهياً تماماً كانتصار "حزب الله" الذي تحوّل بسلاحه نحو صدور بقية اللبنانيين! إنما "حماس" بدأت من حيث انتهى الحزب في لبنان: نفّذت انقلاباً دموياً في غزة حصدت فيه مئات الارواح من أبناء القطاع، ثم ألقت بهم في جهنّم الحروب الاقليمية !
لم يتغير شيء، وكان سلوك قوى 8 آذار مع الرئيس ميشال سليمان قُبيل اجتماع الدوحة معبراً لجهة تسليمه تهديدا مشتركا من الثنائي الشيعي لدفعه الى المشاركة في اجتماع في الدوحة، مما أفلح في أن يكون قمة عربية فصار اجتماعاً هدف أولاً الى إظهار الدور الايراني على الساحة العربية، والى إضفاء شيء من الشرعية على"حماس" – دمشق في حضور السيد خالد مشعل ومعه بقية الفصائل الفلسطينية الدمشقية الهوى. وكم كان موقف الرئيس سليمان قوياً عندما انبرى وحده في اجتماع الدوحة ليرفض تجميد المبادرة العربية احتراماً للبنان المؤسسات. وما أبلغ الشعارات والهتافات التي أطلقت خلال التظاهرات قرب السفارة الاميركية، وخصوصا تلك التي كانت تترحّم على اميل لحود… وما أخطرها !!
لم يتغيّر شيء، وارتباط النظام السوري بطهران أقوى من أي وقت مضى، في الوقت الذي يتهرب فيه قادة "حماس" من المحاسبة على أدائهم، وفي الوقت الذي يعطلون قيام حكومة وفاق وطني مؤقتة في انتظار تنظيم الانتخابات الرئاسية والتشريعية المقبلة.
لم يتغير شيء، وقياديو "حزب الله" يعتبرون ورطة غزة إجازة لهم على المضيّ في بناء دويلتهم على حساب لبنان الواحد الموحّد بمؤسساته الشرعية، فيما يعلنون ان الحرب في غزة حسمت النقاش في استراتيجية الدفاع الوطني في اتجاه ابقاء جيشهم الفئوي الفتنوي في مواجهة اللبنانيين.
لم يتغير شيء والاستحقاقات الكبرى تنتظر لبنان، بدءاً من انطلاق المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، وصولا الى الانتخابات النيابية التي ستحدّد مستقبل لبنان لأمد طويل.
المهم ألا يفقد الاستقلاليون البوصلة !