بعد أقل من أربع سنوات على تسلمه الحكم في سوريا، إستقبل الرئيس بشّار الأسد رئيس وزراء تركيا رجب طيب اردوغان في دمشق، وسط مهرجان شعبي أراد من خلاله تدشين مرحلة جديدة بالتعاون مع زعيم حزب العدالة والتنمية (23 كانون الأول 2004).
لم تكن تلك الزيارة فرصة لفتح صفحة جديدة من التغيير والوفاق فقط، وإنما كانت مناسبة لتوقيع سلسلة إتفاقات إقتصادية تنسجم مع مقتضيات التعاون والتنسيق.
وقد أعلن رئيس وزراء سوريا في حينه محمد ناجي العطري، أثناء مؤتمر صحافي عقده مع نظيره اردوغان، عن أهمية المشاركة بين الدولتين الجارتين. قال إن انقرة ودمشق إتفقتا على تحويل قضية الحدود بينهما من مناطق طرد الى مناطق جذب عبر إقامة مشاريع مشتركة بينها إقامة سد على نهر العاصي قرب لواء الاسكندرون. وذكر في ذلك المؤتمر أن تركيا وافقت على ضخ مياه نهر دجلة لريّ مساحة 150 ألف هكتار تقع في زاوية الحدود السورية – التركية – العراقية. وكان من المنطقي أن تُفسّر تلك الخطوة بأنها موافقة عملية، من قِبل النظام السوري، على التغاضي عن المطالبة باسترجاع اللواء السليب.
واللافت أن الرئيس حافظ الأسد كان يوصي مبعوثيه الى انقرة بألا يوقعوا على أي وثيقة تشير الى تنازل سوريا عن “إقليم هاتاي،” أي الإقليم الذي ضمه كمال أتاتورك سنة 1939. ومن ضمن النصائح التي أعطاها لأحد سفرائه المبرزين، قوله أن حدود سوريا تمتد الى جبال طوروس. وأنه “ليس من حقي أو حق أي رئيس سوري آخر تبديل الجغرافيا، أو فصل شعب لواء الإسكندرون عن وطنه الأصلي. وبما أن الظروف الحالية لا تسمح لي باسترداد ما سلبه أتاتورك منا، فمن الأفضل أن أترك هذه المهمة للتاريخ ولرئيس آخر قد يحالفه الحظ بعد خمسين أو مئة سنة”.
ويقع إقليم “هاتاي” في شرق تركيا على حدود سوريا. وهو يضم مجموعات تنتمي الى مذاهب مختلفة، ولكنها تتكلم اللغة العربية. وهي تتألف من أعراق متباينة وطوائف متعددة كالسنّة والأكراد والمسيحيين والعلويين الذين يختلفون بالطقوس عن علويي سوريا. ولما وصل “حزب العدالة والتنمية” الى الحكم في تركيا حاول طمس الماضي باقامة مشاريع مشتركة مع سوريا، تكون لانقرة فيها قوة الجذب أو الإستتباع.
عقب حدوث الإنقلاب السياسي في موقف تركيا حيال سوريا، وسقوط الأنظمة في مصر وليبيا وتونس، فوجىء الأسد بصديقه اردوغان يدعوه الى التنازل عن الحكم. وأتبع هذا التحول بدعم الثوار السوريين بحيث قدمت تركيا أراضيها المتاخمة لحماية النازحين وإنشاء مخيمات على جزء من الحدود التي تمتد على طول سبعين كيلومتراً. كذلك تحولت اسطنبول منبراً دائماً لرفع شكاوى الإئتلاف وجيش سوريا الحر والمجموعات المقاتلة الأخرى.
يوم السبت الماضي، وقع هجوم مزدوج بسيارة مفخخة في بلدة الريحانية التركية على مقربة من الحدود السورية، راح ضحيته أكثر من خمسين قتيلاً ومئة جريح. وإتهمت السلطات التركية النظام السوري بأنه المسؤول عن الهجمات الأكثر دموية على الأراضي التركية منذ بداية الأزمة بين الدولتين.
وإعتقلت السلطات التركية تسعة أشخاص ينتمون الى مجموعة سرية صغيرة من اليسار المتطرف كانت الإستخبارات السورية تدعم نشاطها. وإعترف وزير الخارجية أحمد داود اوغلو بأن المتهمين يلقبون بـ “المستعجلين”، وهم فرع من حركة يسارية تأسست سنة 1972 وعُرِفت باسم “حزب جبهة التحرير الشعبي الثوري” في تركيا.
تدّعي الدولة التركية أن نظام الأسد يسعى الى تجنيد العلويين الأتراك للحرب الى جانبه، أو على الأقل إستخدامهم في الإستخبارات للتجسس على تحركات اللاجئين ونشاطاتهم. وكانت النتيجة أن بدأ التوتر والشك ينتقلان الى العلاقات بين الأتراك العلويين والأتراك السنّة، الأمر الذي أدّى الى صدامات متواصلة بينهما.
زعيم حزب العدالة والتنمية اردوغان قال إن لسوريا مصلحة في تصدير الحرب الى بلاده، للبرهان على مزاعم الأسد أن منطقة الشرق الأوسط ستحترق في حال تمت التسوية من دونه. من جهته أعلن حلف شمال الأطلسي (الناتو) أن الحكومة التركية لم تطلب مساعدات إضافية من الحلف في أعقاب تفجير الريحانية.
وتجدر الإشارة الى أن الفقرة الرابعة من إتفاقية الحلف تنص على أنه بوسع أي دولة عضو في “الناتو” دعوة حلفائها الى التشاور في حال شعرت هذه الدولة أنها مهددة. ويرى قادة حزب العدالة والتنمية، أن هناك جهات تتعمد إيذاء تركيا والإضرار باستقرارها وإقتصادها. وفي حين تزايد تأثير هذا العامل، فان قيادة الجيش المهمّش قد تستغل الفرصة للقيام بانقلاب ضد اردوغان ورفاقه بحجة تقويم الإعوجاج ومصادرة القرار السياسي.
لهذا السبب وسواه، حاول اردوغان إقناع الرئيس باراك اوباما بضرورة تنفيذ التدخل العسكري الاميركي، والإسراع في إنشاء مناطق حظر طيران داخل سوريا يلجأ اليها النازحون. وفي تصوره، ان هذا الحل يخفف عن بلاده، وعن لبنان والأردن، الأعباء المالية والإجتماعية التي تهدد النسيج الوطني بالتمزق.
وكما تحدث اردوغان لقناة “ان بي سي نيوز”، مؤكداً إستخدام سوريا أسلحة كيميائية، كذلك أعاد الإتهام على مسامع الرئيس الاميركي. وأفاد أن مرضى سوريين بَدَت عليهم أعراض تثبت تعرضهم لأسلحة كيميائية عبروا الحدود لتلقي العلاج في مستشفيات تركية.
في هذا الوقت حدث تطور مفاجىء بالنسبة للعلاقات الروسية – الاميركية، أعاد الى الأذهان ظروف الحرب الباردة وما رافقها من توتر سياسي عانت منه كل دول العالم. فقد أعلنت السلطات الروسية إعتقال السكرتير الثالث في السفارة الاميركية في موسكو رايان فوغل، بعد ضبطه متلبساً بتجنيد ضابط في الإستخبارات الروسية لحساب الاستخبارات المركزية الاميركية.
ومثل هذه العمليات لا تتوقف بين الدول، الأمر الذي يفرض دائماً حصر تفاعلاتها باستخبارات الدولتَيْن المعنيتَيْن. ولكن قرار الكشف عن خفاياها من قبل الرئيس بوتين سوف تحدده الأثمان السياسية المطلوبة. وتتوقع واشنطن أن يكون الثمن بقاء بشار الأسد في الحكم حتى سنة 2014، على أن يساهم هو في إختيار خليفته مع موسكو وطهران. ويقول رئيس وزراء اسرائيل، بنيامين نتنياهو، أن زيارته للرئيس فلاديمير بوتين أثبتت أن قضية صواريخ “اس-300” ستصبح مسألة إبتزاز بهدف إرغام الدول الغربية والعربية على إشراك بشار الأسد في كل المحادثات المتعلقة بمستقبل سوريا.
في لقائه مع نتنياهو شدد بوتين على ضرورة الإمتناع عن القيام بأعمال من شأنها أن تفاقم الأوضاع في سوريا. وكان بهذا التحذير يشير الى الغارة الاسرائيلية على مواقع سورية، الأمر الذي ينطوي على خطة إسقاط نظام الأسد عسكرياً. وقد فسرت موسكو هذا التحدي بأنه سعي حثيث من أجل إخراج نفوذها من سوريا ومن وجود بوارجها في مرفأ طرطوس. لذلك قررت عرقلة تحقيق هذه الخطة من طريق التلويح بارسال صواريخ أرض – جو من طراز “اس-300.” علماً أن وزير الخارجية، سيرغي لافروف، أنكر أن تكون لدى بلاده خطة لبيع سوريا منظومات مضادة للطائرات. ثم ناقض نفسه في التصريح ذاته عندما أوضح أنه توجد بين بلاده وسوريا صفقات أسلحة لم تُستكمل بعد.
وفي هذا السياق، أفادت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن الإدارة الاميركية تلقت معلومات من اسرائيل تفيد أن الصفقة مع سوريا توشك أن تنفذ. وهي تشتمل على نقل ست قواعد إطلاق صواريخ من طراز “اس-300”.
الأسبوع الماضي، كتب رئيس معهد بحوث الأمن القومي الاسرائيلي السابق، اللواء عاموس يادلين، مقالة ذكر فيها أن الروس فوجئوا بتسديد ضربة موجعة الى حليفتهم الوحيدة في المنطقة العربية، سوريا. وقال إن إنتقامهم من اسرائيل والولايات المتحدة، سيكون بمنح دمشق منظومات دفاع جوي بعيدة المدى.
يُجمع المراقبون على القول أن التحركات الديبلوماسية، التي قام بها رئيس الحكومة البريطانية ديفيد كاميرون ووزير خارجية الولايات المتحدة جون كيري والوزير الروسي لافروف ورئيس حكومة اسرائيل نتنياهو، كلها تشير الى الإعداد لتسوية الملف السوري دون أن يكون للأسد مكان في التسوية.
في حديث الوزير الاميركي جون كيري مع الرئيس بوتين، أخبره أن الرئيس اوباما حريص على الدخول في التاريخ بصفته الرئيس الذي ينهي الحروب. وأقصى ما هو مستعد لفعله عسكرياً، هو إعطاء الأوامر للقيام بعمليات تصفية من الجو تتم إدارتها من قاعدة عسكرية في نيفادا. وكانت هذه الإشارة كافية لإقناع بوتين بأن حل الأزمة السورية يمر بموسكو. لذلك قرر هو إيجاد الحل الملائم لمصلحة بقائه في سوريا!