#dfp #adsense

طرابلس.. جبهة التهديد والوعيد والتمديد

حجم الخط

لم تكن جولة العنف الجديدة التي تعيشها طرابلس هذه الأيام، خارج سياق سياسة “الفوضى الهدامة” التي ينتهجها الفريق السوري – الإيراني في لبنان، على المستويات الأمنية والعسكرية والسياسية، وصولاً الى الفوضى الشاملة، وهي تكتسب هذه المرة طابعاً خاصاً، لم تتوقف ابعاده عند ما يجري في القصير وعلى طول الحدود الشمالية ـ الشرقية للبنان، إنما باتت مرتبطة إرتباطاً عضوياً بالإستحقاقات الدستورية الداهمة، وأهمها الإستحقاق الإنتخابي وتشكيل الحكومة الجديدة.

ولعلّ النقاش العقيم الذي شهدته لجنة التواصل الإنتخابية على مدى أسبوع كامل، من دون أن تتقدم خطوة واحدة بإتجاه الإتفاق على قانون إنتخابي جديد، خير دليل على أن الفريق “المقاوم” لإستمرار المؤسسات وديمومتها، و”الممانع” بقوة السلاح لتداول السلطة بطريقة ديموقراطية عبر الإحتكام الى خيارات الشعب في صناديق الإقتراع، لا يعير اي إهتمام للإرادة الشعبية ولا للحياة الإجتماعية التي تشهد تدهوراً غير مسبوق في تاريخ لبنان وعلى كل الصعد، وبدا واضحاً أنه يخيّر اللبنانيين اليوم بين المرّ والأمرّ، اي بين تجرّع كأس التمديد للمجلس النيابي لسنتين، كما تقتضي متطلبات ظروف معركته العسكرية في سوريا غير المعروفة الأفق الزمني، متجاوزاً مدّة الوكالة التي منحها الشعب لممثليه في البرلمان التي تنتهي بأربع سنوات، وبين الكأس الأمر المتمثلة بالفراغ النيابي الكامل وما يستتبعه من فراغ في السلطة التنفيذية، وهو لذلك رفض البحث في القانون المختلط الذي قدمته قوى الرابع عشر من آذار، من دون تقديم البديل أو المبررات المقنعة، مجيزاً لنفسه فرض ما يحضّر في المطابخ السرية، وهو الذهاب الحتمي الى التمديد أو الفراغ الكامل والشامل.

لا شكّ في أن فريق التعطيل والفراغ، يدرك أن التمديد الذي يطلبه معرّض للطعن ومن ثمّ الإبطال أمام المجلس الدستوري، الذي سيرفض حتماً أي تمديد ما لم يكن مرتبطاً بظروف قاهرة تبرر هذا التمديد على غرار ما حصل إبان الحرب الأهلية التي تعذّر في ظلّها إجراء الإنتخابات، فلم يجد أسباباً موجبة أفضل من خلق الأرضية المناسبة لفوضى أمنية بدأت بالعودة الى إستعمال ورقة طرابلس، وإشعال جبهة جبل محسن ـ باب التبانة، وتسخينها أكثر فأكثر لتمتدّ رقعة القصف والمواجهات الى كل مناطق طرابلس، سواء بإستهداف المناطق التي تقع تحت مرمى مدفعية النظام السوري القابعة في جبل محسن، وصولاً الى منطقة الميناء والعمل لتحريك مجموعات مسلّحة وممولة من “حزب الله” بهدف تعميم الفوضى الأمنية في طرابلس، وتصديرها من هناك الى مناطق أخرى في الشمال، وهذا ما عبّر عنه بوضوح رئيس ميليشيا “الحزب العربي الديمقراطي” رفعت عيد الذي يأتمر بأوامر النظام السوري، ويُعدّ أحد أبرز أدواته التفجيرية عند الطلب، حينما أعلن مساء أمس بدء معركته على كل المحاور، مهدداً ومتوعداً بإحراق طرابلس بكاملها، متجاهلاً تحذيرات الجيش وتدابيره والقرارات التي إتخذتها القيادات السياسية في المدينة، ليجد بذلك فريق الفوضى ما يكفي من أعذار ومبررات وأسباب قاهرة تستدعي تأجيل الإنتخابات والذهاب الى التمديد غير المعروف النتائج والأبعاد.

هذا في البعد السياسي للأزمة، أما في البعد العسكري، فإن ثمة الكثير من الأسئلة التي تطرح في هذه الأيام عن خلفيات إشعال الفتنة في طرابلس، لتلعب هذه المنطقة ذات التنوع الطائفي الدور الإستراتيجي من الناحية العسكرية في معركة القصير التي بات “حزب الله” رأس الحربة فيها، وحرب النظام الممتدة على كامل الجغرافيا السورية، بما يجعل من طرابلس والمناطق اللبنانية المتاخمة للحدود السورية، على غرار القصف الهمجي الذي تعرضت له قرى وبلدات جبل أكروم أمس، جبهة إضافية دائمة الإشتعال، كفيلة بلعب دورين اساسيين الأول حرف الأنظار عن المحرقة التي يتعرض لها الشعب السوري، والمذابح التي ترتكب بخلفيات طائفية ومذهبية، والثاني تخفيف الضغط عن الجبهة الداخلية، بما يمكن كتائب الأسد من إلتقاط انفاسها والعمل مجدداً على الحدّ من الخسائر التي تتكبدها على أيدي مقاتلي المعارضة والجيش السوري الحر، ومحاولة وصل المناطق التي لا يزال يسيطر عليها ببعضها البعض، بعد نجاح “الجيش الحر” في تحويلها الى نقاط معزولة ومحاصرة، وغير قادرة حتى على الإمداد العسكري واللوجستي.

والمفارقة أن الساعين الى تسعير جبهة طرابلس، “وما بعد بعد طرابلس” لم يتوانوا هذه المرّة عن إستهداف الجيش اللبناني بشكل مباشر، عبر إستهداف جنوده المنتشرين في منطقة باب التبانة بالقنص وإطلاق النار عليهم بشكل مباشر وإيقاع الشهداء في صفوفه في محاولة منهم لزجّ الجيش في هذه المعركة، وجعله طرفاً في مواجهة يبدو أن المخططين لها يتوقون الى ايام الحرب السوداء، عندما جعلوا من الجيش والقوى الأمنية الشرعية هدفاً لهم، لصالح ميليشياتهم والعصابات التي كانت تأتمر بأوامرهم، ولإيصال رسالة الى قيادة الجيش بأن ما يحصل في طرابلس مرتبط بما يجري مباشرة في العمق السوري، وأن القرار الذي إتخذه الجيش بالرد على مصادر النيران والضرب بيد من حديد، قرار لا يمكن إتخاذه وتطبيقه على من يضع يده على زناد التفجير، ولأن من يتخذ قرار التفجير في طرابلس وغيرها من المناطق لا يتوقف عند ما يقرره الجيش والدولة اللبنانية بإعتبار أن المرحلة القائمة هي مرحلة الدويلات والتشبيح والفوضى المتنقلة حتى يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الاسود في سوريا، وانتظار ما إذا كان نظام القتل والتدمير والإرهاب، قادر على كسر معادلة التاريخ التي تؤكد أن إرادة الشعب هي التي تخرج دائماً منتصرة في كل المعارك.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل