لم يعد ريف القصير ذاك المكان الذي تحدثت عنه قيادة “حزب الله” قبل نحو ثلاثة أشهر، وتحديداً يوم استنجد بشار الأسد بحليفه الأبرز في لبنان بعدما شعر بدنو أجل حكمه. يومها عقدت قيادة الحزب اجتماعاً موسّعاً وضعت فيه جميع الخطط العسكرية والأمنية إضافة الى دراسات لكل الاحتمالات الممكنة التي من شأنها أن تنقذ الأسد، ليرسل بعدها السيد حسن نصرالله معاونه السياسي الحاج حسين الخليل ليطمئن جزّار دمشق واعداً اياه بتدخل فوري وحاسم.
في ذلك اليوم، وصلت قيادة “حزب الله” وبتعاون إيراني، الى نتيجة مفادها، أن احتلال القصير من شأنه أن يكون ورقة رابحة وضاغطة في آن واحد، في وجه جميع الدول التي تدعم الحراك الشعبي في سوريا، وأن سقوطها بيد الأسد بدعم حزبي يمكن أن يشكّل ورقة تفاوض على سوريا كلها وليس على رقعة أرض، على الرغم من الوضع الحسّاس الذي تمتلكه القصير حيث يتجمّع فيها تقريباً، ثلث عدد الثوار الموجودين في سوريا، وقيل أن مصطفى بدرالدين، خليفة عماد مغنية وقريبه، وعد قيادة الحزب وعلى رأسها نصرالله، بأن “عملية احتلال القصير لن تكون سوى نزهة صغيرة لمقاتلي حزب الله”.
لا دراسات الحزب ولا وعود بدرالدين تحققت أو حتى أتت بنتيجة، والنزهة تحوّلت الى مأساة والرجال الذين قاوموا المحتل وانتصروا عليه، ها هم اليوم عاجزون عن تحقيق أي هدف يُذكر، فأهل الأرض قد أعدّوا العدّة للدفاع عنها مهما كان الثمن غالياً، في الوقت الذي ازدادت فيه جراح “حزب الله” حتى بلغت أكثر من مئتي قتيل وأكثر من 300 جريح معظمهم في حال الخطر، وهذه الأرقام تؤكد أن المعركة ليست سهلة وهي تسير بعكس الدراسات التي أعدّتها مجموعة من كبار الاستراتيجيين المعنيين بوضع خطط حرب، بعضهم ضباط في الحرس الثوري الإيراني إضافة الى ضبّاط سابقين في الجيش اللبناني.
لا مكان للتراجع عن الحرب الدائرة في القصير، أكان من الجيش السوري الحر أو حتى من الجيش النظامي وملحقاته مثل حزب “البعث” والحزب “السوري القومي الاجتماعي” وطبعاً “حزب الله” الذي يلعب دوراً رئيساً فيها، وهذا ما يؤكده الرجل الثاني بعد مصطفى بدرالدين والمسؤول الأهم عن جبهة القصير الحاج (بلال ر) لجميع عناصر الحزب المتواجدين على تلك الجبهة، سواء من يشاركون في المعركة أو الاحتياط الذين ينتظرون دورهم للالتحاق ببقية المقاتلين، وبحسب بعض العائدين بسبب الإصابات التي تعرضوا لها، فإن المعركة لا يبدو أنها ستنتهي في وقت قريب خصوصاً أن الثوار يجيدون “تكتيك” حرب الشوارع والمدن كما يجيدها مقاتلو الحزب وربما أكثر، لكن ومع هذا، فإن قيادة الحزب قررت الذهاب في هذه الحرب حتى النهاية، وينقل هؤلاء عن الحاج بلال قوله، “إن سوريا لنا نحن الشيعة سواء قتل الأسد أو لم يُقتل”.
من المؤكد أن معظم أبناء الطائفة الشيعية في لبنان يمرّون اليوم بمرحلة صعبة وبأيام غير عادية لم يسبق أن مرّوا بها في زمن الاحتلال الإسرائيلي، دماء تسقط من دون وجه حق، شعارات ما كانوا يحتاجونها في زمنهم المقاوم، وزمن “يا لثارات الحسين” قد رحل في حال سبيله بعد أن حلّ مكانه شعار “لن تُسبى زينب مرّتين” وتحت هذه الرايات وتلك الشعارات، أعاد الحزب فتح باب “الجهاد” مجدداً بعدما كان أغلقه لفترة سبع سنوات أي منذ حرب تموز العام 2006، لكن هذه المرّة عبر بوابة دمشق.
أما اليوم، فلا يتمنى العائدون من “نزهة” الحرب في سوريا، العودة اليها مجدداً، فيخبر أحدهم كيف كان يتشوّق لإنهاء دورته العسكرية في مدينة “الأحواز” الإيرانية للالتحاق بالمقاومة، فيسأل: أين أصبحت الحرب مع إسرائيل التي قتلت خيرة شبابنا في الجنوب والبقاع؟ إلا أن سؤال هذا المقاتل الذي أقعدته رصاصة استقرّت في عموده الفقري، لن يجد جواباً، فالرايات السود عادت لترتفع مجدداً والمستشفيات أصبحت المكان الوحيد لتلاقي الجرحى العائدين، والمقابر فتحت أبوابها مجدداً لاستقبال الشباب الذين يسقطون الواحد تلو الآخر في سبيل انتزاع ورقة للتفاوض اسمها.. القصير.