من يضمن استمرار “الصوت المرجّح” للرئيس؟
سركيس نعوم
كان رئيس الجمهورية الذي انتهت ولايته في الرابع والعشرين من تشرين الثاني الماضي (اميل لحود) يملك وحليفيه السياسيين الاساسيين “حزب الله” وحركة “امل” تمثيلاً في حكومة الرئيس فؤاد السنيورة قوامه تسعة وزراء أي الثلث زائد واحد والذي صار اسمه هذه الايام الثلث المعطل أو الثلث الضامن أو الثلث المسقط. والوزراء هم طراد حمادة ومحمد فنيش ومحمد الساحلي وفوزي صلوخ (شيعة) وشارل رزق (ماروني) والياس المر ويعقوب الصراف وطارق متري (روم ارثوذكس). وكان لحود وحده يملك في الحكومة اياها ما يمكن تسميته الصوت المرجح أو الوازن بلغة هذه الأيام وذلك بواسطة وزراء أربعة كانت له اليد الطولى في توزيرهم هم رزق والمر والصراف ومتري.
الا ان هذين الثلث الضامن والصوت المرجح لم يكن لهما الأثر الذي كان يتوخاه منهما اصحابهما. ذلك ان الثلث الضامن انهار والصوت المرجح ضاع عندما انتقل ثلاثة من وزراء رئيس الجمهورية هم رزق والمر ومتري من موقع الرئاسة وحلفائها السياسيين الى موقع رئيس الحكومة والغالبية فيها أي بلغة اليوم انتقلوا من موقع الاقلية النيابية الى موقع الغالبية النيابية. طبعاً تعرض الوزراء المنتقلون لحملات كثيرة من الفريق الذي كانوا جزءاً منه تضمنت الكثير من الافتراءات ابرزها اثنان. الأول، قلة الوفاء. والثاني، الشراء بواسطة المال. والذين يعرفون المستهدَفين بهذين الاتهامين يعرفون ان لا اساس لهما من الصحة. فوزير العدل شارل رزق لا يشرى ولا يباع. وهو لم يغادر موقعه السياسي السابق لنقص في الوفاء بل لاقتناعه بعدم قدرته على الاستمرار في الدفاع عمّا لا يمكن الدفاع عنه بعد سلسلة من التطورات الخطيرة والمعروفة.
والأمر نفسه يقال عن وزير الثقافة طارق متري رغم انه ينكر أن يكون لـرئيس الجمهورية وان يكن هو الذي اقترحه للوزارة أو رشحه لها أو قبل تزكيته لها من آخرين يثق بهم. أما وزير الدفاع الياس المر فلم يكن ممكناً بقاؤه في “معسكر” الرئيس لحود بعد الذي تعرض له في الرابية وكاد ان يودي بحياته وخصوصاً انه وضعه اشتباهاً في خانة حلفاء للرئيس نظراً الى الخلافات التي كانت له معهم في السابق.
لماذا اثارة هذا الموضوع الآن؟
للقول أولاً ان الثلث الضامن او المعطل او المسقط الذي تطالب به المعارضة لا يضمن شيئاً في مراحل التغيير الكبرى في الداخل وفي المنطقة رغم ان المصرّين عليه من قادتها الاساسيين معروفون بقدرتهم على ضبط من يمثلهم سواء عن اقتناع او عن غير اقتناع. ذلك ان تطورات الخارج بمواجهاته المعروفة هي التي تؤثر في هذه الأمور الداخلية، ويا للاسف الشديد، ولا سيما بعدما وضع اللبنانيون أنفسهم على تناقضهم في تصرف الخارج على تنوعه وتناقضه. وللقول ثانياً ان الصوت المرجح لرئيس الجمهورية او الوازن في الحكومة، وهو ما اقترحه وزراء الخارجية العرب في مبادرتهم في آخر اجتماع لهم في القاهرة قد لا يبقى مرجحاً ولا وازناً، اذ لا شيء يمنع وزراء رئيس الجمهورية المقبل، اذا جاز وصفهم على هذا النحو او بعضهم، من تغيير مواقفهم وولائهم السياسي وتالياً على الانتقال داخل مجلس الوزراء اما الى صف الغالبية واما الى صف المعارضة. وقد تكون لانتقال كهذا اسباب ومبررات بعضها وطني او قومي او ديني او طائفي او مذهبي او مصلحي متنوع. وقد يتعرض المنتقلون للانتقاد والحملات وربما للضغط والتخوين ولاتهامهم بصفات غير حميدة على الاطلاق. الا ان ذلك كله على اهميته لن يغير كثيراً في واقع الحال. فالمنتقلون سيكوّنون اما ثلثاً معارضاً معطلاً او ضامناً او مسقطاً لن يتخلّى عنه المعارضون تمثلاً بما فعله الموالون حيال انتقال وزراء الرئيس لحود الى صفهم، واما غالبية ثلثين أو أكثر.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو ماذا يستطيع رئيس الجمهورية في حال كهذه ان يفعل؟
قد يجيب البعض بأنه قد يقيل الوزراء الذين تخلوا عنه أي خانوه. لكن اقالة الوزير تكون بمرسوم يوقعه رئيسا الجمهورية ورئيس الحكومة بعد موافقة ثلثي اعضاء الحكومة استناداً الى المادة 53 من الدستور. لكن من يضمن في ظروف الصراع الداخلي ذي الخلفيات الاقليمية – الدولية المتحكمة به ان يتفق رئيس الجمهورية والحكومة على هذا الامر؟ ومن يضمن ان يصوت ثلثا الوزراء عليه؟ علماً انه وفقاً لكتب تتضمن نصوص الدستور هناك ذكر لموافقة ثلثي الوزراء على هذا الأمر ووفقاً لكتب اخرى لا ذكر لهذه الموافقة على الاطلاق.
الى ذلك هل عند رئيس الجمهورية حزب يستطيع في حال تمكنه من التخلص من الذين تخلوا عنه وانضموا الى الفريقين الآخرين أو أحدهما ان يختار منه من يمثله بدلاً من هؤلاء؟ وهل في لبنان نظام حزبي يمكنه من ذلك؟ طبعاً ليس الهدف من كل ذلك شحن الأجواء ضد اقتراح الصوت المرجح او الوازن لرئيس الجمهورية العتيد سواء كان العماد ميشال سليمان قائد الجيش أو غيره وخصوصاً اذا استمر الفراغ الرئاسي مدة طويلة جداً تتجاوز الأشهر. ذلك اننا من الذين يتمنون انتهاء الفراغ اليوم قبل غد وبطريقة تتيح للمؤسسات الدستورية العمل وللناس العيش في اطمئنان وإن نسبياً وإن احاطت بكل المخارج التي يمكن ان تعتمد لانهاء الازمة الصعبة الراهنة كل انواع الثغر التي يمكن اسقاطها لاحقاً او استغلالها، بل ان الهدف هو لفت كل الاطراف بمن فيهم المرشح التوافقي الوحيد بل الرئيس “النظري” حتى الآن سليمان الى ضرورة التدقيق في كل اقتراح وفي كل تفصيل وكل مبادرة سواء كان مصدرها داخلياً او عربياً او اقليمياً أو دولياً. ذلك ان اوضاع المنطقة والعالم لا توحي بنهاية قريبة للمواجهات والصراعات التي ساحتها لبنان والتي أدواتها “شعوبه”، الأمر الذي يجعل اطروحات التسويات أو الحلول أولاً موقتة وثانياً مفخخة بقصد التعطيل وربما التفجير ريثما ينضج اللاعبون الكبار، وطبعاً ليس بينهم لبناني واحد، ويصبحون جاهزين للحلول الكبرى.