بين غزة واستراتيجية الدفاع الوطني
انتهت الحرب على غزة بمجزرة كبرى تقارب النكبة لحقت بالشعب الفلسطيني فيها. وعلى النحو الذي حصل عقب حرب تموز 2006 خرجت قيادات حركة "حماس" لتعلن من فوق القبور "النصر الإلهي" في حين لم تُفتح المعابر، ولم يُرفع الحصار. وحدها بقيت الدبابات الاسرائيلية ترابط على مسافة بضعة امتار من الحد الفاصل بين القطاع واسرائيل، وهي متأهبة لمعاودة المذبحة، في الوقت الذي انطلقت فيه فرق الموت في ارجاء غزة لتعتقل وتقتل وتجرح عشرات المقاومين من مناصري حركة "فتح"، كأننا امام مشهد 7 ايار فلسطينية متجددة، يهرب فيها المتورطون في حروب تدميرية في حق شعوبهم الى حروب تصفوية في الداخل لقتل روح الممانعة الديموقراطية، وحق النقد والاختلاف ضمن الوطن الواحد.
وما اشبه مناداة السيد خالد مشعل المجتمع الدولي لحصر المساعدات اما في "حماس" واما في مؤسسات دولية وعربية مانحة ومنفذة، وحجبها عن السلطة الوطنية الفلسطينية الشرعية، بـ"بروباغاندا" "حزب الله" إثر حربه في تموز وحتى اليوم، على رغم ان المزايدات في مسألة المال والمساعدات لا تحجب المسؤولية الكبرى عن الكارثة التي حلت باللبنانيين بسبب قرار الحرب الفئوي. وما اشبه قرار "حماس" توزيع "المال الطاهر" على المتضررين في غزة، بأكياس "المال الطاهر" التي وزعها الحزب في لبنان من دون حياء امام عدسات التلفزيون اللبنانية والعربية والعالمية لحرف الانتباه، ولخنق الاصوات الناقمة والمنتقدة لتورط الحزب في الحرب وتوريطه الناس وارواحهم فيها.
وفي حين يتهيأ قادة الحوار الوطني اللبناني للاجتماع الاثنين المقبل من اجل استكمال البحث في استراتيجية الدفاع، توحي اصوات من داخل "حزب الله" انها حسمت مقاربتها الحوارية للموضوع استناداً الى الحرب على غزة التي يعتبر اصحاب هذه الاصوات انها اثبتت صحة نظرية الحفاظ على الازدواجية بين الجيش الشرعي وميليشيا مقاتلة تحت مسمى "المقاومة". ويعتبرون ان الموضوع لم يعد في حاجة الى بحث، ولا الى مزيد من المناقشة.
وهذا بالتحديد ما يزيد قلق اللبنانيين الذين لا يشاطرون "حزب الله" تقويمه للحرب على غزة في ما يتعلق بنتائجها الفعلية.
ان البحث في الاستراتيجية الدفاعية يجب الا يحيد عن مساره الاساسي، اي المسار المؤدي الى حصر السلاح في الجيش، وكل بحث ينبغي ان ينطلق من هذه المسلمة وليس النقيض. فالحديث عن ان حماية لبنان تأتي من خلال قوة "حزب الله" ليس صحيحاً، بل ان النقيض هو الصحيح. فامتلاك هذه الجهة الحزبية سلاحاً من خارج الشرعية يعرّض لبنان لحروب، ولا سيما ان قرار السلاح ليس لبنانياً، بل يرتبط بأجندة اقليمية معروفة تنتقل بالحروب بالواسطة من ساحة عربية الى اخرى بدم العرب وحدهم. ثم ان السلاح المشار اليه تحول عن وجهته المعلنة ليستهدف صدور اللبنانيين. وبعدما كان عبئاً ثقيلاً صار يمثل تهديداً دائماً لأمن كل مواطن لبناني.
وحده الاستقرار الداخلي المبني على قاعدة التسليم الكامل للدولة بمؤسساتها الشرعية، والخضوع للقانون، يحمي لبنان من تبعات حروب اقليمية تدار عن بُعد لاجل غير العرب. ووحدها استراتيجية دفاع تستند الى فكرة حل جيش "حزب الله" واستيعاب عدد معين من افراده في الجيش الوطني تنقذ لبنان من خطر حروب اقليمية او اهلية.