ثلاث خيبات
الاوهام التي علّقت على الرئيس الاميركي الجديد باراك اوباما، بلغت حدا غريبا: بعض الجمهور العربي والمسلم الذي تابع حفل تنصيبه الثلاثاء الماضي، ظل حتى اللحظة الاخيرة يترقب منه ان ينزع القناع عن وجهه، ويجهر باسلامه بشكل او بآخر، ويتمتم بالذكر الحكيم، او حتى ان يعمد الى رفع قبضته في السماء ويطلق الهتاف المدوي: »لبيك يا حسين«… فيكون الفتح الاسلامي لاميركا الذي طال انتظاره والتخطيط له!
عندما تلعثم رئيس المحكمة العليا القاضي جون روبرتس في تلاوة القسم، ولاسباب يؤكد علم النفس انها كانت ناجمة عن ضيقه المكبوت من الرجل الاسود الواقف امامه، بدا للبعض ان اللحظة المرتقبة منذ زمن بعيد قد حانت، وما هي الا بضع كلمات حتى يصبح لاميركا اول رئيس مسلم، فتتحقق النبوءة ويخرج المسلمون في العالم من عصور القهر والاضطهاد ويفتتحوا حقبة ذهبية جديدة من تاريخهم.
لكن شيئا من ذلك لم يحصل، فكانت الخيبة الاولى، التي اعقبتها على الفور خيبة ثانية اشد عمقا وتأثيرا بما لا يقاس، عندما القى الرئيس الاميركي الجديد خطاب القسم واوحى فيه انه سيكمل مسيرة سلفه في اصلاح العالم الاسلامي وتغييره حتى يصبح قادرا على مواجهة الارهاب الذي انتجه، وحتى يصبح جاهزا للتخلي عن اتهام الغرب بالمسؤولية عن جميع ازماته، وحتى يصبح حاضرا للاندماج بروح العصر… من دون ان تضطر اميركا الى استخدام القوة كما فعلت طوال السنوات الثماني الماضية!
اما الخيبة الثالثة للجمهور العربي والاسلامي فجاءت سريعة ايضا، وذلك عندما ظهر اوباما في وزارة الخارجية الاميركية ليعلن التزامه الحرفي بجدول اعمال سلفه جورج بوش، الخاص بمقاربة القضية الفلسطينية، لكنه انحدر عنه بعض الشيء عندما تعهد احياء الخيار السياسي المصري والخيار الامني الاردني، وشطب حركة حماس من المعادلة معتمدا على السلطة الفلسطينية وحدها لاعادة الاعمار في قطاع غزة، واعادة التفاوض في الضفة الغربية… وفتح الطريق امام شراكة مقبلة بين ادارته وبين حكومة اقصى اليمين الاسرائيلي برئاسة بنيامين نتنياهو.
لم ينتظر اوباما طويلا حتى يكشف عن وجهه الحقيقي الذي كانت ملامحه ظاهرة في خلال حملته الانتخابية الرئاسية وفي سيرته الشخصية، التي لم يقرأها جيدا الكثيرون من العرب والمسلمين الذين اسقطوا عليه تمنياتهم واحلامهم، من دون اي سند واقعي، سوى الكراهية الشديدة لسلفه السيئ الذكر، الذي سيبدو بعد فترة وجيزة انه كان اكثر توازنا واعتدالا واشد حساسية تجاه القضية الفلسطينية من الرئيس الجديد، الذي سيخضع لاختبار يومي ينكر فيه جذوره الاسلامية غير العميقة اصلا، ويزايد فيه بالولاء للمؤسسة الاميركية ولاسرائيل، ويبدد الانطباع الخاطئ بان وصوله الى البيت الابيض يعني وصول السود الى السلطة في اميركا، ويفنّد الاسطورة الشائعة في هؤلاء السود هم اكثر ميلا الى العرب والمسلمين منهم الى اليهود.
بناء على معالم الايام الاولى من العهد الاميركي الجديد، فان العالم العربي والاسلامي سيكون محظوظا اذا اكتفى اوباما بمتابعة الحروب التي شنها بوش، ولم يقرر ان يشن حروبه الخاصة!