لأنّ جذور رسالتنا في الشرق تلامس أعماق التاريخ والجغرافيا، لأن وجودنا لم يكن يوماً رهن ظروفٍ موقّتة، لأننا لم نأت هذه الأرض غزاة كما قيل، نطق وادي القديّسين. نطق بكلّ نقطة دمٍ روت أرضه، نطق بكلّ نقشٍ حفره مقاومو ذاك العصر الأشاوس، نطق بفم كلّ مغارة حفرها الأقدمون، بكلّ ديرٍ وكنيسة، بكلّ جرسٍ ومذبحٍ وجرن عماد، نطق ليرسل لمسيحييّ لبنان باقات سلامٍ هو الذي عانق منهم باقات الشهداء.
نطق عاصي حوقا ليقول، لا تستبدلوا مقاومة البطاركة العظام في حنايا الوادي بمقاومات مستوردةٍ لم تعرف الانتماء يوماً. لا تستعبدوا أنفسكم لثوراتٍ ليست كالثورات، ثوراتٍ أعادت الجسد والفكر والروح إلى عصور الظلم والظلام. ثورات لا تؤمن بلبنان كما أراده البطريرك الحويك، ثورات لا تنتشر إلا على دماء ثوّارها، لا تتمدّد إلاّ بالسيف لا تؤمن بالمنطق سبيلاً ولا تعرف سوى التسلّط والتكبّر. لا تستبدلوا شجاعة رهبان دير مار أنطونيوس قزحيا بجبن وخوف سكّان الدهاليز والكهوف. لا ترموا تاريخ المقّدمين والبطاركة لتأتوا بحاضر الأسياد والمرشدين.
نطق عاصي الحدث ليقول، لم نأتِ لهذه الأرض غزاةً، بل كنّا عنها مدافعين، لم ننحنِ لطغاة السلطنات والجمهوريّات، ولم يركع من طوّع الجبال والصخور يوماً أمام من لم يدخل مدينةً أو بلداً من دون أن يعيث فيه خراباً وقتلاً وتدميراً.
نطقت مغاور الجبال لتقول، كم من مجزرةٍ سببها خونةٌ من صفوفنا، فضّلوا الذلّ على الكرامة و لو في الكهوف. نطقت لتخبرنا أننّا لم نبق هنا بفضل نظامٍ أو دولة أو جيشٍ أو مقاومةٍ أو ثورة، بل بقينا هنا بمقاومة رهباننا وفلاحينا والمقدّمين، استمرّينا بقيادة بطاركتنا الذين يرقدون في أحضان العذراء في إيليج، بقينا بصلوات أمّهاتنا وهمّة آبائنا الذين قاتلوا جبروت المحتلّين بما توفّر من عصيّ وسكاكين وفؤوس. نحن شعبٌ عشق أرضه حتّى الشهادة، فلا ندعنَّ أحداً يوهمنا أنّنا في وطننا لاجئون.
رسالة وصلت من أعماق قاديشا إلى عرين مقاومتنا في بكركي حيث يجلس كبيرٌ من كبارنا، حيث تقطن شهادةٌ حيّةٌ على صمود المسيحييّن بالصدور العارية أمام جحيم الحديد والنار، حيث يصلّي بطريرك سينصفه التاريخ كما نصفته ضمائر أبنائه الأوفياء، هنا في ربوع بكركي حيث يجثو بطريرك الصمود والمقاومة مار نصرالله بطرس سفيراً جنباً إلى جنب مع البطريرك الراعي الّذي قال فور تولّيه سدّة البطريركيّة أنّ في احتكار الوطن من قبل فئةٍ، أحتقارٌ لنا جميعاً.
رسالة وصلت عنوانها لا تخافوا، لم نأت هذه الأرض مع الخمينيّ والأسد ونجاد، ولن نرحل منها يوم يشاء نصرالله و”حزب الله” والتكفيريّون. أتينا هذه الأرض مع الرسل الأوائل ولن نرحل منها إلّا يوم ينتهي العالم. إنّ هذه الأيّام أيّامٌ “بائسة” على ما قاله البطريرك لكنّ أفضل الأيّام هو الغد، فجوهر عقيدتنا هو القيامة لا الموت، فنحن أبناء القيامة. نحن في هذا الشرق رسالة، أمّا في هذا الوطن فنحن حجر الزاوية، حقوقنا ليست حبراً على ورق ولا قانون انتخاب، فانتخاب أربعة وستيّن نائباً بصوت المسيحيين وارتهان هؤلاء بأيديهم لأسياد الثورة الإسلاميّة والإرهاب لا يأتينا بحقوقنا المسلوبة.
حقوقنا وجودٌ يتعدّى الحياة البيولوجيّة التي يعيشها أقباط مصر ومسيحيّو سوريا حقوقنا هي مساواة لا تبدأ بانتخاباتٍ ولا تنتهي بتعيينات، حقوقنا أمن وسلام وازدهار لمجتمعنا في ظلّ دولةٍ علينا وعلى الآخر لا دولةً للآخر علينا.
حقوقنا ليست حصصاً وزاريّة ونيابيّة، حقوقنا اعتراف بلبنان وطن لكيانه نهائيّة ولحدوده احترام وجيشه حامي حدوده لا يقتصر دوره على دور شرطيّ بلديّة في أزقّة المدن والقرى، حقوقنا أمنٌ ذا إلزاميّةٍ لا أمن بالتراضي أو برضى الله و حزبه.
حقوقنا مناطق متّصلةٌ جغرافياً ومتواصلةٌ اجتماعياً لا مناطق نفوذ مقطّعة الأوصال، حقوقنا أن تكون لنا حريّة بيع الكحول وشربها في الجنوب مع احترام تحريمها على الآخرين دون تفجير محلّاتنا. حقوقنا الانتقال من الأطراف إلى العاصمة دون أن يعترض طريقنا بعض الزعران وأشباح الليالي، حقوقنا أن يعترف الآخرون أنّ لنا حقوقاً لا أن يمنّونا ببعض المراكز لنؤمّن تغطية عمياء لمشاريعهم.
حقوقنا أن نعيش الاختلاف من دون خلاف، حقوقنا أن يعتبر الآخرون بطرس خوند وباقي المعتقلين أسرى ورهائن في سوريا ويطالبوا بعودتهم كما نعترف ونطالب بعودة الأسرى من أعزاز، حقوقنا أن يعتبر شهيدنا شهيداً وقتيلهم قتيلاً لا أن يفرض علينا أصحاب الاصابع المرفوعة شهداء لقضيّة لا تمتّ لنا بصلة وينعت شهداءنا بالقتلى. حقوقنا أن يعترف العالم بمقاومتنا الاحتلال السوري كما نعترف بمقاومتهم الاحتلال الاسرائيلي، حقوقنا أن يعترفوا بمجزرة العيشيّة والدامور والقاع ويحاسبوا مرتكبيها قبل أن يلقوا باتجاهنا باتّهامات عن مجازر أضحى بعض مرتكبيها أبرز حلفائهم.
حقوقنا أن نعرف حقوقنا كي نطالب بها ونصونها لا أن يفرض علينا بعض نظريّة حقوق مسلوبة على قياس مطامعه الوصوليّة. حقوقنا أن لا تصبح حقوقنا اسفلتاً لتعبيد طرق البعض الذي تدغدغه أحلام السلطة.
رسالةٌ خطّها التاريخ بأبهى حروفه في حنايا ذاك الوادي، أحرفٌ حفرها النضال على جبين آبائنا و أجدادنا وفي حنايا أديرتنا وسراديب كنائسنا، رسالة أنّهم راحلون وأنّنا حكماً سنبقى لأنّنا وجدنا وقاتلنا واستشهدنا لنستمرّ معاً في هذه المعركة نستمرّ لنبقى.
لن تضيع حقوقنا طالما وراءها مناضلون يطالبون بها ويدافعون عنها ويذكرونا دوماً بها
ان لبناننا في الف الف خير طالما هناك يوجد قديسين ووادي للقديسين