
قد تكون الرصاصة الطائشة التي قتلت والد يعقوب الشدراوي عام 1958 في طرابلس، هي نفسها التي تفتك اليوم بجسد المدينة ذاتها. أما هو، هذا الممثل والمخرج والمسرحي الكبير، فلم يتردد عن مغادرة “السيرك الكبير” منتقلاً إلى الضفة الأخرى، بعدما أخذه الموت عن عمر يناهز 79 عاماً، ومعاناة طويلة مع المرض والأوجاع، ومكابدات خلاّقة خلال مسيرته الفنية على خشبة المسرح.
باشر يعقوب الشدراوي التمثيل منذ طفولته على خشبات المدارس التي تنقل بينها، قبل أن يسافر إلى إيطاليا، ومن بعدها إلى الإتحاد السوفياتي، حيث أكمل تحصيله الفني، طاوياً علاقته بزغرتا التي ولد فيها عام 1934. فقد عاد من موسكو إلى بيروت، التي كانت في ستيناتها مختبراً مسرحياً، قبل أن تطيحها الحرب، ولا تترك من آثارها سوى هذا “القول الجميل”.
عاد يعقوب الشدراوي إلى بيروت عام 1968، ولم يتوان عن ابتداع الجديد تمثيلاً واخراجاً، إلى جانب “محترف بيروت للمسرح” و”حلقة المسرح اللبناني”، بالإضافة إلى “مدرسة بيروت للمسرح الحديث”. وهو كان قد عرض أول عمل له بعنوان “أعرب ما يلي” (1970) خلال مهرجانات بعلبك. بعد سنوات، قدّم مسرحيته الجديدة، التي تستند إلى نص “المهرج” لمحمد الماغوط، بعدما وجد في نصوص شاعر “الفرح ليس مهنتي” قيمة فنية، لا بد من ترجمتها مسرحياً، وتقديمها مشهدياً، لأن ذلك يضفي عليها معاني ابداعية جديدة، وخصوصاً عندما نعرف أن المسرح لم يكن بالنسبة اليه سوى “سيرك الحياة ندخله ثم نغادره”.
لكن، على رغم هذه المغادرة المستمرة، لا يتوقف السيرك ولا يطرد لاعبيه في الواقع أو على الخشبة، بل تتغير قواعده وحاجاته بحسب تقلبات العصر وظروفه.
والحال هذه، عاد الشدراوي بعد “المهرج” بأعمال فنية أخرى، كـ”سمكة السلور” (1971)، و”الأمير الأحمر” (1973)، و”أبو علي الأسمراني” (174)، و”الطرطور” (1983)، بالإضافة إلى “موسم الهجرة إلى الشمال”، و”مذكرات مجنون”. ذلك، قبل أن يتوّج مسيرته بمسرحية “يا اسكندرية بحرك عجايب” (1992)، التي رجع من خلالها إلى خشبة المسرح، معتمداً على نص أسامة العارف.
مع العلم أنه كان في أغلب أعماله يبحث عن وسيلة لاستنتاج نص مسرحي مغاير بالنسبة للمعايير التقليدية، وذلك على رغم أن مسرحياته مالت إلى الإلتزام الأكاديمي أكثر من نزوعها إلى التجريب الفني.
سعى يعقوب الشدراوي إلى “مسرح عام”، يشرّع خشبته لكل الفنانين في لبنان، فلا يعود المخرج أو الممثل مجرد متسول أمام المسارح من أجل عرض أعماله، والتنازل عنها بسبب الظروف الصعبة التي تتحكم بفنه. وقد ربط بين مشروعه الفني ونظرته إلى شؤون الاجتماع والسياسة، فلم تغب الطبقات المسحوقة عن باله، ولم يغض الطرف عن قضايا وأسئلة متعلقة بالهوامش المجتمعية، الفقراء والمظلومين. فهو كان يؤكد في كل مناسبة ضرورة المسرح، وأهمية حضوره بين الناس، ما يشجعهم على التعبير والإدلاء بالرأي ضد الذين يغضبونهم.
فالمسرح لدى الشدراوي يخوض معركة فنية ضد “كل من حال ويحول دون أن يكون الانسان انساناً”، وضد “ضيقي الآفاق، وعديمي الاكتراث، والذين يورطون الشعوب بالحروب”. وما على المعركة الفنية هذه سوى أن تكون قاسية وبلا رحمة، بحيث لا تمتثل لأي معيار أو قانون سابق، بل تمضي بنقدها حتى النهاية.
إذاً، غادر يعقوب الشدراوي “سيرك الحياة”، بعدما نزل عن الخشبة، ورافقه الموت إلى الخارج. أما المسرح الذي كان الراحل واحداً من رواده المتعلقين به، فحاله سيئة.
عسى أن يظل السيرك الذي لعب فيه الشدراوي جيداً، عسى يظل مفتوحاً على الحياة والخلق والتجدد، لا على احتمالات الاحتضار.