بعدما قرّر أوباما إرسال ميتشل مبعوثاً خاصاً إلى المنطقة
هل يعيد العرب تثبيت مبادرة قمة بيروت أساساً للسلام ؟
بعدما قرر الرئيس الأميركي باراك أوباما إيفاد السناتور جورج ميتشل مبعوثا له الى المنطقة للبحث في إنهاء الصراع العربي – الاسرائيلي بات على الدول العربية ان تكون موحدة الموقف حيال مشروع انهاء هذا الصراع، لئلا تكون مسؤولة بانقسامها عن عدم التوصل الى ذلك، إذ لا يعقل ان تكون دول عربية مع مشروع ودول مع مشروع آخر، وكذلك وضع الفلسطينيين بانقسامهم بين سلطتين، وهذا كله يصب في مصلحة اسرائيل التي تهرب من الاتفاق على سلام شامل وعادل منذ قرابة الستين عاما.
الواقع ان هذا ما حمل العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز على أن يعلن في قمة الكويت باسم قادة العرب تجاوز مرحلة الخلاف وفتح باب الاخوة العربية والوحدة من دون استثناء موضحا أن "خلافاتنا السياسية أدت الى فرقتنا وانقسامنا وشتات أمرنا، وكانت هذه الخلافات وما زالت عونا للعدو الاسرائيلي الغادر، ولكل من يريد شق الصف العربي لتحقيق أهدافه الاقليمية على حساب وحدتنا".
والسؤال المطروح هو: على أي أساس ينبغي أن تتحقق وحدة الصف العربي ووحدة الصف الفلسطيني بحيث يذهب الجميع الى طاولة المفاوضات برؤية واحدة مشتركة وبمبادرة واحدة؟
لقد نعى الرئيس الاسد ومن يرى رأيه مبادرة السلام العربية في لقاء الدوحة من دون أن يطرح بديلا منها، فاذا كان البديل هو المقاومة كما تدعو الدول العربية و"الفصائل الفلسطينية" المتشددة، فلماذا دخلت سوريا في مفاوضات غير مباشرة مع اسرائيل؟
لذلك، فان مبادرة السلام تبقى المبادرة التي لا بديل منها حتى الآن والتي ينبغي اعادة تأكيد التزامها في المباحثات والاتصالات التي سيجريها المبعوث الاميركي جورج ميتشل خلال زيارته المنطقة. لئلا يكون مصير هذه المبادرة كمصير غيرها من المبادرات التي ظل البحث فيها يدور في حلقات مفرغة، وجعل مفاوضات السلام على مدى سنوات تجرى ليس من أجل الوصول بها الى نتيجة، انما من أجل المفاوضات فقط لترسيخ الوضع الشاذ القائم في فلسطين وفي المنطقة، وهذا ما جعل العاهل السعودي يؤكد في كلمته أمام قمة الكويت ان "مبادرة السلام العربية المطروحة على الطاولة اليوم لن تبقى على الطاولة الى الأبد" وهذا معناه أنها اذا لم تتم الموافقة عليها لتكون هي السبيل الى تحقيق سلام شامل وعادل في المنطقة، فان على العرب ان يكون لهم موقف آخر لتحقيق هذا السلام.
لقد أعلن رئيس الوزراء الاسرائيلي إيهود أولمرت أنه على استعداد للقبول بمبادرة السلام العربية كاطار لاتفاق سلام مع سوريا والفلسطينيين. وفي تصريحات لصحيفة "معاريف" الاسرائيلية قال: "لقد وصلنا الى لحظة الحقيقة، انني أعلن على الملأ وأوجه كلامي الى العاهل السعودي انني على استعداد لقبول الخطة العربية التي أقرت في بيروت وأبرمت في الرياض كإطار لمفاوضات تقود الى تسوية على أساس قراري مجلس الامن 242 و338". وجدد اللوبي الاسرائيلي الداخلي من جهته دعم هذه المبادرة داخل المجتمع الاسرائيلي في محاولة لمنع التدهور نحو مزيد من الحروب. وأوضح البروفسور اليعاي آلون أحد قادة هذا اللوبي الذي يضم حوالى 1300 شخصية عسكرية وسياسية سابقة وشخصيات أدبية وثقافية وأكاديمية من مختلف شرائح المجتمع اليهودي في اسرائيل ومن قوى اليمين واليسار والوسط ان هؤلاء أخذوا على عاتقهم إحداث التغيير المنشود في المجتمع الاسرائيلي قيادة وشعبا تجاه هذه المبادرة، وان هناك تجاوبا جادا مع ا لمبادرة في أروقة الحكم في اسرائيل بما في ذلك في وزارتي الخارجية والدفاع وهما أهم مصادر صنع القرار في اسرائيل.
وكان الرئيس الاسرائيلي شمعون بيريس قد أعلن في مقابلة أجرتها معه هيئة الاذاعة البريطانية في مستهل زيارة رسمية له لبريطانيا: "ان هناك فرصة جيدة للتوصل الى اتفاق سلام في الشرق الاوسط سنة 2009 مع وصول باراك أوباما الى البيت الابيض". وتوقع رئيس المخابرات العسكرية الاسرائيلية ان تكون سنة 2009 سنة السلام مشيرا الى ان الرئيس السوري بشار الاسد "جاهز للسلام وان الازمة الاقتصادية ستلجم ايران".
وفي حديث صحافي لبيريس لصحيفة "الشرق الاوسط" قال: "ان المتطرفين يعيشون على الحرب وفي السياسة يوجد مجال للتنازل والوصول الى حل وسط ولكن في الدين هذا غير ممكن. انظر الى حماس انها تعيق قيام الدولة الفلسطينية، فلولاها لكانت مفاوضات السلام بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية برئاسة أبو مازن قد انتهت باقامة الدولة الفلسطينية". وأضاف: "انا لا أرى ان هناك حربا بين الاديان، بل هناك حرب لكل الاديان مع المتطرفين، وانها ليست حربا بين الشعوب بل حرب الشعوب مع أولئك الذين باسم الدين يريدون تدمير حياتنا وتطورها. أنا قلت للرئيس أوباما ان هناك ضرورة ان يقول للعرب تعالوا وانضموا الى العالم الجديد المطلوب، ليس نقل العرب الى الديموقراطية التي لا تفرض فرضا وبأي ثمن، لانها قد تسفر عن انتخاب غير ديموقراطيين كما لاحظنا لدى "حماس"، علينا بناء أنظمة حياة لبلادنا تستند الى الاقتصاد الحيوي العصري. فالمشكلة ان "حماس" تريد ان تنفذ انقلابا آخر في الضفة عند انسحابنا منهاـ وان زعماء عرب يرون هذا الخطر كما تراه اسرائيل. وختم بالقول "ان المنطقة نضجت للتوجه نحو السلام. فقد وقعت بين اسرائيل والعرب سبع حروب وهذا يكفي والى متى سنظل نحارب؟ سنتخذ كل الاجراءات اللازمة لوقف الصواريخ. وان المبادرة العربية هي نتاج رؤية جديدة في العالم العربي ولرؤية مصالح العرب الوطنية وهي تصلح أساسا متينا لاستكمال عملية السلام. وأستطيع القول انني خرجت من لقائي مع أوباما بانطباع انه يؤيد المبادرة العربية".
ونقلت وسائل اعلام عن رئيس الوزراء ايهود أولمرت قوله في اجتماع لجنة الخارجية والامن البرلمانية قبل أشهر: "أنا أقول لكم ان مصلحة اسرائيل الوطنية العليا تقتضي التوصل فورا وبلا أي تأخير الى اتفاق سلام مع الفلسطينيين ومع سوريا وان السلام مع الفلسطينيين سيكون على أساس دونم مقابل دونم (ويقصد الانسحاب الكامل من الضفة الغربية باستثناء الكتل الاستيطانية شرط ان يتم تعويض الفلسطينيين بدونم من الارض مقابل كل دونم يتنازلون عنه لاسرائيل). وقال في اجتماع شعبي ان اسرائيل انشغلت طيلة 40 سنة في رؤية ضيقة تجاه الفلسطينيين، ورفضنا قراءة الخريطة التي تقول لنا بوضوح ان الزمن لا يعمل في صالحنا. كنا نرى أننا أصحاب حق ولم نر المحيط الاكبر وانا شخصيا كنت من المخطئين. فعندما اقترح إيهود باراك (رئيس الحكومة الاسبق عن حزب العمل ووزير الدفاع اليوم) تقديم التنازلات للفلسطينيين في "كمب ديفيد" عام 2000 قلت له شخصيا انه يبالغ في التنازلات. أنا ايضا كنت أعتقد بأن الارض الواقعة ما بين البحر الابيض المتوسط والنهر (نهر الاردن) هي ملك لنا نحن اليهود وحدنا. كنا نحفر في الارض ونجد الآثار اليهودية في باطنها في كل مكان ونعتقد بأننا أصحاب الحق التاريخي وحسب ولكن توصلت بعد الكثير من العناء والتردد الى الاقتناع بأن علينا ان نتقاسم الارض مع من فيها، لا نريد دولة واحدة للشعبين".
وفي حوار صحافي مع وزيرة الخارجية الاميركية السابقة كوندوليزا رايس لمناسبة حضورها في لندن اجتماعات الرباعية الدولية واجتماع الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الامن اضافة الى المانيا دعت الجانبين الاسرائيلي والفلسطيني الى ان يقدما التنازلات الصعبة عن بعض أحلامهما من أجل تحقيق الحلم الكبير وهو قيام دولتين اسرائيلية وفلسطينية تعيشان جنبا الى جنب وان يدركا بأن أحلامهما التاريخية غير ممكنة".
كل هذه المواقف تدل على ان السلام آت وقد آن بعد حروب طويلة ومدمرة أن يتحقق هذا السلام. وقد تكون المبادرة العربية هي الأساس والتي ينبغي ان يلتقي عليها جميع الاطراف المعنيين ولا سيما العرب لان انقسامهم حولها بعد اتفاقهم عليها في قمة بيروت يحملهم مسؤولية عرقلة عملية السلام، ويجعل مصير جولة المبعوث الاميركي الجديد جورج ميتشل في المنطقة كمصير جولات من سبقوه.
ولا بد من التذكير بأبرز البنود الواردة في هذه المبادرة التي أقرتها القمة العربية الرابعة عشرة في بيروت (آذار 2002) وثبّتها وزراء خارجية الدول الاسلامية في اجتماعهم بطهران (أيار 2003) وهي الآتية:
1 – الانسحاب الكامل من الاراضي العربية المحتلة بما في ذلك الجولان السوري وحتى خط الرابع من حزيران 67 والاراضي التي ما زالت محتلة في جنوب لبنان.
2 – التوصل الى حل عادل لمشكلة اللاجئين يتفق عليه وفقا لقرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة الرقم 194.
3 – قبول قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على الاراضي الفلسطينية المحتلة منذ الرابع من حزيران 1967 في الضفة الغربية وقطاع غزة وتكون عاصمتها القدس الشرقية.
4 – اعتبار النزاع العربي – الاسرائيلي منتهيا والدخول في اتفاق سلام بين العرب واسرائيل مع تحقيق الامن لجميع دول المنطقة.
5 – انشاء علاقات طبيعية مع اسرائيل في اطار هذا السلام الشامل.
6 – ضمان رفض كل أشكال التوطين الفلسطيني الذي يتنافى والوضع الخاص في البلدان العربية المضيفة.