عونيّون يترشّحون دون النظر في المرآة… أو ينظرون ويَسْكَرون
طوال عقدين، كان العونيّون ينتقدون تنصيب السوري وطبّاخيه اللبنانيين نواباً لا يمثلون أحداً، وقد توقع كثر أن يبادر التيّار الوطني الحر بعد 4 سنوات على خروج السوريين إلى اقتراح نموذج متقدم على صعيد لوائحه النيابية في الدورة المقبلة من حيث ترشح الأكثر قدرة على تمثيل الناخبين. مع الأخذ في الاعتبار أن وظيفة النائب ثلاثية تشمل التشريع والإنماء والسياسة (النائب الناجح من يجمع الثلاثة لا واحدة فقط)، وأن نواب التيار العشرين أو الثلاثين إنما يمثلون مليون مواطن على الأقل مع ما يستتبعه ذلك من متطلبات ماديّة وثقافيّة.
ولكن مع اقتراب موعد الانتخابات، يبدو أن تقديم النموذج العوني الموعود سيؤجل مرة أخرى. إذ تراجعت مفاهيم تغييرية كثيرة ومعها أشخاص، لتطفو في الأيام الماضية على سطح الوطني الحر موجة طفيليات يبدو أنها وقعت في فخ سوء تقدير حجمها ومبالغتها في إعجابها بالنفس.
فقبل بضعة أشهر، بدا اندفاع بعض المسؤولين العونيين لإعلان نيّتهم الترشح، أمراً صحياً نسبياً، يعيد الحيوية إلى الحالة العونية دون أن يؤثر سلباً، وخصوصاً أن عدد المرشحين العونيّين كان محصوراً بمرشحين أو ثلاثة عن كل مقعد. ولكن، مع مرور الأيام، بدأت رغبات الترشح تأخذ منحى سلبياً، حتى بات يمكن عند الكلام على أي مقعد مسيحي ذكر خمسة أسماء عونيّة على الأقل تتنافس بعضها مع بعض. ووسط جنون العظمة، لم يعد يمكن شرب فنجان قهوة مع صديق عوني أو الاتصال بمنسّق إحدى البلدات أو مراجعة مسؤول عوني حالي أو سابق دون أن يتبين أن حضرته مرشح للانتخابات.
ودون حرج: هنا مرشح عائد من المهجر جامعاً مئات ألوف الدولارات ليعلن نفسه «رقماً صعباً» في الانتخابات، وهنا مشروع مرشح يتنقل من دائرة إلى أخرى ليعرف أين يتقبله الرأي العام، وهنا «مناضل» يطبع صوره «أيام النضال» ليوزعها مشروعاً انتخابياً، وهنا «مثقفون» يتأبطون «الملف» يجوبون القرى مرددين ببؤس مقتطفات مما حفظوه من خطابات العماد عون. وببراءة، يتصل بعضهم بحثاً عن مسؤول إعلامي يوفّر لهم إطلالات إعلامية، أو عن مصرف يقبل تسليفهم، على مدى الحياة ربما، ليفروا ضرورات المعركة مادياً.
وهكذا تزدهر أيام العونيين: يبيع «مشاريع المرشحين» السيارات القديمة ليشتروا سيارات الدفع الرباعي الفخمة استجداءً للـ«بريستيج»، يزور «أيشتي» زبائن جدد يبحثون عن ربطات عنق برتقالية، ولائم في البقاع وذبح خواريف، ترويقات في عاليه، توزيع أشجار مثمرة في المتن، وطبعاً اشتراكات في شركات توزيع رسائل الإس إم إس تارة للتعييد وطوراً لإيصال سلام.
وفي موازاة ذلك، ثمّة اعتداد بالنفس لا تشوبه شائبة، وأسئلة «محرجة» يسألها المرشحون المفترضون: ماذا يمثل مروان أبو فاضل في عاليه لولا تبني السوريين له سابقاً؟ من هو فارس بويز وما هي حيثيّته؟ أليست مواجهة الإقطاع في سلم أولويات التيار الوطني الحر؟ والأهم، «بماذا يمتاز عنّي ذلك الذي اختاره عون نائباً في الدورة الماضية؟».
وللسذاجة نماذج: أحدهم اقترح وسيلة لاقت استحسان عون في تسهيلها العمل الإحصائي على ماكينة التيّار، فسارع إلى إعلان نفسه مرشحاً، وإحداهن زرعت في مسيرتها العونيّة بضع أشجار في منطقتها فأقنعها أحد «المقربين» من عون بأنها تناسب النيابة فصدّقت، و«كاتب» انتمى إلى التيار أول من أمس وعين مسؤولاً أمس فاعتبر نفسه مستعداً للنيابة وبدأ «التحرك»، وشقيق مصور لفته إعجاب العونيين بشقيقه فأعلن الترشح.
وهؤلاء لا يسمعون، أو يسمعون ولا يفهمون، فلا تكرار عون الكلام على أولويّة تبنيه المرشحين العونيِّين الذين يضيفون إلى كتلة التيار، ينفع، ولا نصائح «الرفاق» الواعين تُفهم في محلِّها. بينما يبدو واضحاً في نتائج الاستطلاعات، أن قوة التيار التجييرية في المتن، مثلاً، تقارب 35% من أصوات الناخبين، فيما لا يحظى معظم نواب التيار ومرشحوه المفترضون بتأييد 25% من هؤلاء، وبالتالي هم ليس فقط لا يقدِّمون قيمة إضافية، بل لا يملكون تأييد «قاعدتهم» أصلاً، والتي في حالات كثيرة لم تسمع بهم، حيث إن معظم الراغبين في النيابة انضموا منذ فترة وجيزة إلى التيار.
ثمة من يرى الوقت مناسباً لينظر بعض المرشحين المفترضين في المرآة، ويلحظوا حجمهم الحقيقي فيعدلوا ويخرجوا، لأن عناد المرشح الساذج يسخِّف المرشح الجدي، ولأن صورة التيار التغييري والإصلاحي تقدم معكوسة، ولأن الظاهرة «الديموقراطية» تحولت نبع نكات يوميّة.
أما إذا تمسك هؤلاء بحقهم في الترشح، يقول الواعون في التيار، فيفترض بالعماد عون أن يبادر إلى خطوة تقطع الطريق على من يكمل ما بدأه السوريون من حيث تسخيف الموقع النيابي عبر اعتقادهم أنه يمكن من لا يملأ كرسياً في صالون منزله أن يملأ كرسي المجلس النيابي.