الرهان على بناء وطن يتمتع بالحدّ الأدنى من مقومات الدولة، بات أشبه بالمقامرة، في ظل سطوة دويلة “حزب الله” القابضة على ناصية الدولة ومؤسساتها، والكاتمة لأنفاس الناس. ذلك لأن الحزب لا يرى في هذه الدولة إلا غطاء لمغامراته، ولا يجد في الشعب اللبناني إلا قطيعاً عليه أن يدين له بالسمع والطاعة، ويلحق به لا الى مراعيه الخصبة، إنما الى مسالخه التي لم تروِ حتى الآن وعلى كثرتها عطشه، رغم الدماء البريئة التي سالت في طول لبنان وعرضه، وعلى امتداد الجغرافيا السورية، تحت عناوين وشعارات لا تنتهي، ما أنزل الله بها من سلطان، وهي لا تنطلي على عقول الأطفال قبل العقلاء.
مشكلة “حزب الله” أنه بات مشكلة لبنان والمهدد الأول للكيان والتعددية والفرادة التي ميّزت هذا البلد الصغير عن سائر بلدان المنطقة والعالم بأسره، ذلك لأن مغامراته الانتحارية تعدّت ما سبق ورسمه المشروع الفارسي الطامح دوماً الى السيطرة على المنطقة من المحيط الى الخليج، وباتت عابرة للقارات، وهو لا يكتفي بجعل شباب الحزب المُغرر بهم وقوداً لها، إنما تأخذ اللبنانيين عموماً والطائفة الشيعية خصوصاً رهينة ما ذهب اليه بعيداً، وهؤلاء سرعان ما بدأوا يدفعون أكلاف هذه المغامرات الجنونية في مصالحهم وأرزاقهم إن في الخليج العربي أو في بعض الدول الغربية، ولعلّ القرارات التي اتخذتها بعض الدول لم تكن من قبيل الانتقام من أبناء الطائفة الشيعية الكريمة، إنما بفعل هيمنة الحزب على البعض منهم، ودخوله شريكاً مضارباً في مصالحهم، تارة بذرائع التجارة والتحويلات، وتارة أخرى بغطاء الأعمال الإنسانية، التي يتسلّل عبرها لتهديد أمن تلك الدول.
مناسبة هذا الكلام ليس الإضاءة على أفعال “حزب الله” أو تعريف الناس بها، فالقاصي والداني بات يعرفها ليس في لبنان فحسب، إنما في العالم كلّه، لكن للدلالة الى أن هذا المنحى الجنوني الذي سلكه وضع لبنان أمام ثلاثة أخطار قاتلة:
الخطرالأول داخلي، ويتمثّل في الفلتان الأمني الداخلي الذي كان نتاج سياسة الحزب، ولا يغيب عن بال عاقل أن المواجهات التي تعيشها طرابلس منذ أكثر من شهر، والحوادث الأمنية المتنقلة من الشمال الى بيروت وصيدا فالبقاع، وعمليات الخطف والسطو والسلب وقمع الحريات وقتل معارضي الرأي جهاراً نهاراً كما حال جريمة قتل الشاب هاشم السلمان أمام السفارة الإيرانية، وجريمة قتل المواطن علي الحجيري أمس في الهرمل، وقبلها إقالة الحكومة وتطيير الانتخابات ومنع تشكيل حكومة جديدة بفعل التهديد بالسلاح وقلب الاستقرار رأساً على عقب، وصولاً الى تعطيل المجلس الدستوري، وقطع الطريق على هذه المؤسسة الدستورية الأساسية، ما هي إلا ترجمة حقيقية لسياسة “حزب الله” القاضية بالإجهاز على الدولة ومؤسساتها، وتسييد شريعة الغاب، وجعل الدولة أسيرة قراراته “الهمايونية” التي لم تعد قائمة في الأنظمة التي لا تشبه إلا نظام حليفه بشار الأسد الذي بات من الماضي رغم قدرته على المضي في سفك دم شعبه.
الخطر الثاني خارجي، والمتأتي من استدراج الحزب الحريق السوري الى الداخل اللبناني. فمزاعم “حزب الله” وملحقاته بأن القتال الذي يخوضه في الداخل السوري، لم يكن إلا حرباً استباقية لدفع الخطر عن لبنان، ومحاربة “القوى التكفيرية” قبل وصولها الى لبنان، أثبتت عقمها، فالوقائع اليومية تفيد بأن مغامرة “حزب الله” استجرّت الحرب السورية الى لبنان، ووضعت البلد على شفير إنفجار أمني قد يعلم متى يبدأ لكن بالتأكيد لا يعلم متى وكيف سينتهي، وملامح هذا الإنفجار بدأت تصل تباعاً في الرسائل الصاروخية التي ترد من الداخل السوري الى مناطق في البقاع رداً على حرب “حزب الله” في سوريا، واحتفالاته بـ”النصر العار” على أطفال القصير ونسائها وشيوخها، والمواجهات التي تقع على بعض النقاط الحدودية، فضلاً عن رسائل التهديد بنقل المعارك من الداخل السوري، وتحويل لبنان بكامله مسرحاً للعمليات.
أما الخطر الثالث والأهم، فيتجلّى في سلوك “حزب الله” المهدد للكيان بأسره، من خلال إدخال البلد في فتنة عمياء بات من الصعب جداً تداركها أو احتواؤها في ظل إيقاظ كل عناصر الفتنة السنية ـ الشيعية، التي ذهب اليها الحزب طوعاً وبوعي كامل وعن سابق إصرار، لا بل هو يسرّع اليوم من وتيرة تفجّرها، بزعمه أنه يحارب “التكفيريين” في سوريا، وهو بذلك يغذي العصبيات، بتعميم ثقافة عمياء مفادها أن كل السنّة الذين يناهضون مشروعه الجهنمي هم “تكفيريون” وإرهابيون، وجب عليه قتالهم وسحقهم، لا بل زاد عن ذلك بأن حملت خطابات مسؤوليه مفردات جديدة، تعتبر أن المعترضين في لبنان على حربه في سوريا، هم امتداد للفكر التكفيري الذي يحاربه في سوريا، ويتوعّد بمحاربته في لبنان.
أمام هذه الأخطار، ثمّة أمر مخيف وهو أن الدولة التي كانت في البداية عاجزة عن وقف هذا الانحدار الخطير، تحولت بمؤسساتها وأجهزتها الأمنية والعسكرية الى متفرّج على ميليشيا خارجة عن القانون، تستبيح ما تبقى من دولة، وتعمل بإصرار على الإجهاز على كل رأي ومنطق مخالف، دولة باتت مجرّد شاهد عاجز حتى عن تحقيق أو تنظيم تقرير بجرائم تقع أمام أعين أجهزتها، دولة ما عاد بإمكانها الا أن تصرخ نيابة عن شعبها لتقول طفح الكيل، دولة يقول رأس هرمها كفى، لن أتنازل عن بقاياها وسأعضّ عليها بالنواجز.