#adsense

جمهورية الخوف

حجم الخط

 

لم يسبق فعلياً أن خاض اللبنانيون الى هذا الحد في هذا البحر من القلق والوجوم والتوجّس والقنوط رغم كل الذي مرّ عليهم على مدى العقود الأربعة الماضية.

ولا مبالغة في الافتراض البسيط، أنّ المصطلح يشمل اللبنانيين عموماً، وليس عيّنة واحدة منهم أو جهة محدّدة بعينها أو طرفاً واحداً من أطراف الجمهورية “المنذورة” للحزن والمتآخية مع الكوارث والنائمة على شطآن التوجّس المرير من الغد وطلاسمه وأسراره وغيبيّاته.

ولا مرّة توحّد حاملو الهويّة اللبنانية كما توحّدوا في الانتماء إلى منظومة الغرف من بئر الأسئلة المستحيلة عن الآتي مع الغيب، وعن المستقبل القريب والبعيد سواء بسواء.. “توحّدوا” قبل الآن، قبل مشاركة “حزب الله” في المذبحة السورية، في تركيب توليفة من الأوهام الخلاصية والسكن فيها. وكل وهم كان لائقاً بأهله وشعارهم وطموحهم وجموحهم ومشروعهم، لكن حاصل جمعها كلها، كان تحويل لبنان إلى شيء يشبه مستشفى المجانين. وشيء يشبه المحرقة.. وأشياء أخرى كثيرة تشبه المقابر!

لمرّة واحدة، يبدو الافتراض في محله من أنّ الهوية الواحدة صارت تدلّ إلى انتماءين: واحد إلى الجمهورية الكيانية وآخر إلى جمهورية الخوف. وفي ذلك تغلّب الحلم على الوهم وأمكن في لحظة سوداوية إنتاج حصيلة إيجابية من معطيات سلبية، بحيث أنّ القلق المثلّث الأضلاع الأمني والسياسي والمعيشي جعل أخيراً، مصطلح “اللبنانيين” ممكناً بالضرورة العلمية!

.. استطاع “حزب الله” أن يُحقّق بذلك ما عجزت عن تحقيقه حروب ومؤامرات ومذابح وبلايا ووصايا! حتى الوصاية السورية الدؤوبة والطويلة النفس والمدروسة والمنظمة بعناية فائقة والمنفّذة بعناية أكثر تفوّقاً لم تتمكن من اجتراح معجزة وضع لبنان واللبنانيين في تلك الحالة العدمية السوداء، وفي جمعهم تحت بيرق الجزع الوجودي المصفّى مثل العسل اليماني..

نجح ذلك الحزب في محاصرتهم ببلاياه وارتباطاته، وأقفل في وجههم كل الطرق بما فيها تلك الأثيرة المخصّصة للإفلات والهرب.. طاردهم في يومياتهم وأمنهم وسياستهم وإدارتهم واجتماعهم وأرزاقهم ويقينياتهم وأعادهم بالجملة إلى القلعة والحصار. بل طاردهم حتى في منافيهم القريبة والبعيدة. عَبَر الحدود وفرض بالقوّة ذلك الانتماء المزدوج على هويتهم الواحدة. لم يكتفِ بتحميلهم أوزاراً تنأى بثقلها الجبال في ديارهم، بل آثر أن “يوازن” بين الحاضر والغائب والمقيم والمغترب، ولم يترك ركناً واحداً في هذه الدنيا يمكن الجلوس في فيئه والبحث في تلابيبه وتحت ظلاله عن غد ما. أو عن شيء من الحياة وطقوسها وضروبها وطبائعها وأحكامها.

.. أخذ اللبنانيين بجريرته، وهذه لها أوّل معلوم وآخر مجهول. لم يرضَ بـ”الاكتفاء” بعدو لا مثيل له فوق هذه الأرض اسمه إسرائيل، بل راح في سعيه ومقاومته وممانعته وإيرانيته إلى الأركان الجغرافية الأربعة للمعمورة. يفرّخ كل يوم عدوّاً جديداً ويطلق في كل حين مجسّات البحث عن “أعداء” أينما كانوا.. وحتى لو كانوا أهل عروة دينية وثقى. أو رباط وطني أو قومي واضح. أو حتى شُركاء تفرض المصالح شراكتهم!

يخطئ كثيرون إن افترضوا أنّه ولاّد فتن بالجملة، عابرة للحدود والقوميات والديانات فقط. هو أكثر من ذلك ولاّد فتن بالتفصيل الممل حتى داخل بيئته!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل